ومنه: (( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ) [الفاتحة:5] مرَّ معنا مرارًا هذا، (( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) ) [الفاتحة:5] أصلها: نعبدُك، لأن الكاف هذه في محلّ نصب مفعول به، ونعبدُ: فعل وفاعل جاءت على الترتيب الأصلي، فلما أُريد الحصر والقصر وهو إثباتُ أن العبادة مستحقةٌ لله جل وعلا دون مَن سواه أُثبتت للمعبود الحق، ونُفيت عما سواه، وهذا هو حقيقة القصر والتخصيص والحصر، فحينئذٍ قُدِّم ما حقُّه التأخير فانفصلَ الضمير، فقيل: (( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) ) [الفاتحة:5] ومثله: (( وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ) [الفاتحة:5] .
لكن لذلك قالوا هنا: وجاء للتخصيص قبل الفِعْلِ زيدًا ضربتُ .. (( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) ) [الفاتحة:5] لكن لا يُقال: زيدًا ضربت وغيرَه، خطأ هذا، زيدًا ضربت، أي: لا غيره، وغيره أثبته؛ فحينئذٍ حصل تعارضٌ وتناقضٌ بين مفهوم"زيدًا ضربت"، وبين منطوق"وغيره"، أليس كذلك، نُقدِّم المنطوق على المفهوم، أو نقول: تعارضا؟ فلذلك لا يصحُّ أن يُقال: زيدًا ضربتُ وغيره.
ما زيدًا ضربت ولا غيره، ما يصحّ، ما زيدًا ضربتُ: نفيتَ الضرب عن زيد، وأثبته لغيره، إذا قلت: ولا غيره، حصلَ تعارضٌ بين مفهومِ قوله: ما زيدًا ضربت، وهو نفيُ الضرب عن غير زيد، وبين نفيه .. وإثباته لغير زيد، وبين قوله: ولا غيره، نفيُه عن غير زيد، فحصلَ التناقض والتعارض.
إذن نقول: يُقدَّم المفعول به على الفعل لإفادة التخصيص والقصر، بمعنى: إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، (( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) ) [الفاتحة:5] .. زيدًا ضربت، ما زيدًا ضربت: هذا في النفي، زيدًا ضربت: هذا في الإثبات.
إذا أثبتَّ زيدًا ضربت فحينئذٍ نفيتَ الضرب عن غير زيد، فلا يصحُّ العطف عليه،"زيدًا ضربت وغيره"لا يصحّ، وإذا نفيت: ما زيدًا ضربت، نفيت الضرب عن خصوص زيد، وأثبته لغير زيد، فإذا قلتَ كذلك فلا يصحُّ حينئذٍ تقول: ما زيدًا ضربتُ ولا غيره، فقد نفيتَ ما قد أثبته بالمفهوم، نفيتَ بالمنطوق ما أثبته بالمفهوم فحصلَ تناقض بين أول الجملة وآخرها.
وجاء للتخصيص قبل الفِعْلِ: هذا غرض، تَهَمُّمٍ: هذا غرضٌ آخر، تَهَمُّمٍ: تهمم .. تَفَعُّل، والمراد به لازمُهُ وهو الاهتمام.
تَهَمُّمٍ: المراد به طلبُ الشيء في البحث عنه، وحينئذٍ لا بدّ أن يُفسَّر باللازم وهو الاهتمام، محمّدا اتبعت، أي: لا غيره، لما عُلِمَ من خارجٍ بأنّ النبي صلى الله عليه وسلم مقصورٌ على الرسالة، لكن أُثِرَ"محمد اتبعت"مرادًا به الاهتمام، قدمه لا لإفادة الحصر لعلمه من طريقٍ آخر، فقال: محمدٍ اتبعت، إذن: قدَّمَ ما حقّه التأخير هنا لإفادة الاهتمام، أي: محمدٌ صلى الله عليه وسلم لا غيره.
تبرُّكٍ: وتبرّكٍ، على إسقاط حرف العطف، والمراد به: طلب البركة، يعني: قُدِّمَ لطلب البركة، والمثال السابق صالحٌ له: محمدا اتبعت، حينئذٍ تبرَّكَ بذكر هذا اللفظ، اللهَ أعبدُ، هذا يمكن أن تجتمعَ عدّة أغراض في لفظٍ واحدٍ، اللهَ أعبدُ: قد يُرادُ به القصر، وقد يُرادُ به الاهتمام، وقد يُرادُ به التبرك.