وفَصْلِ، يعني: رعاية الفاصلة، (( ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ) ) [الحاقة:31] قيل: هذا المراد به قُدِّمَ المفعول به لا لإفادةِ القصر، ولا للاهتمام، ولا للتبرّك، وإنما لكون الفاصلةِ منتهية بقوله: صلّوه، يعني: بالهاء، وحملَهُ صاحب الكشاف على التخصيص، إلى الجحيم لا إلى غيرها صلُّوه، ويحتمل هذا وذاك.
وجاءَ للتخصِيصِ قبلَ الفِعْلِ ... تَهَمُّمٍ تبرُّكٍ وفَصْلِ
إذن: أفادنا في هذا البيت بأنَّ الأصل في المفعول به التأخير عن الفعل، فإذا قُدِّمَ فقد قُدِّمَ ما حقّه التأخير فلا بد أن يكون لنكتة وفائدة، مِن هذه النكت القصر، وهذا هو الشهير والمشهور، ثم التهمُّم هذا من الأغراض، والتبرك ورعاية الفاصلة وغير ذلك.
واحكم لمعلولاتِهِ بما ذُكِرْ: واحكم يا طالب العلم، لمعلولاتِهِ: معمولات الفعل، أي: لبقيّتها فيما سوى المفعول به، لأنه ذَكَرَ المفعول به ولم يذكر غيره، لكن كلّ الأحكام المتعلقة بالمفعول به يمكن أن تتأتّى في سائرِ المعمولات، لأنه كما سبقَ الفعل قد يكون له مفعول به، ومفعول معه، وله، وظرف مكان، وظرف زمان، وحال، وتمييز، وكل ما يمكن أن يتعلَّقَ بالفعل، فهو يُعتبَر من المعمولات.
هل هذه الأغراض من الذكر، والحذف، والتقديم والتأخير، خاصّةٌ بالمفعول به فقط دون ما سواه؟ لا، الحكم عامّ لكلِّ المعمولات التي يمكن أن تتعلَّقَ بالفعل، من ذكرٍ وحذفٍ، وتقديمٍ وتأخير.
واحكم لمعلولاتِهِ، يعني: حكم بقيةِ معمولاتِ الفعل كالمفعول، واحكم لمعلولاتِهِ: لمعمولات الفعل بما حكمتَ به للمفعول به، بما ذُكِرْ: بجميعِ الأحوال المذكورة مِن الذكر والحذف والتقديم والتأخير، راكبًا جاءَ زيدٌ، هذا حصلَ التخصيص بالتقديم، فحينئذٍ ما هو الذي قُدِّمَ هنا، المفعول به؟ نقول: الحال، جاءَ زيدٌ راكبًا، هذا رُتبتُها فقُدِّمت، فحينئذٍ نقول: أفادت التخصيص.
يومَ الجمعة ضربتُ زيدًا؟ الظرف نعم، في داره ضربتُ زيدًا، قُدِّم الجار والمجرور، ونحو ذلك وقِس عليها.
واحكمْ لمعلُولاتِهِ بما ذُكِرْ ... والسّرُّ في الترتيبِ فيها مُشْتَهِرْ
إذا اجتمعت هذه المعمولات لها ترتيبٌ خاصّ عند البيانيين؛ يختلفون في الترتيب، لكن ثَم ترتيبٌ مشهورٌ عندهم.
والسُّر في الترتيبِ، السر يعني: النكتة البديعة، والفائدة الخفية، في الترتيبِ: العهد الحضوري (أل) هنا، فيها، أي: في هذه المعمولات عندَ الاجتماعِ مُشْتَهِرْ، يعني: مَعلومٌ في كتبِ النحو، ويذكرُهُ البيانيون تبعًا.
نقول: المفاعيل وما في معناها من الفضلات وإن اشتركت في كونها فَضلة، لكنها مُترتِّبةٌ فيما بينها عندَ اجتماعها، فإذا اجتمعت المفاعيل كلُّها .. إذا اجتمعت فالأصحُّ هنا خلطٌ عند المحشي وغيره، فالأصحُّ أنه يُقدَّم المفعول المطلق، ثم المفعول به بلا واسطة، يعني: واسطة حرف، مررتُ بزيدٍ، زيدٍ هذا في المعنى مفعولٌ به، لأنه وقَعَ به المرور، فحينئذٍ ما كان متعدّيًا إليه من المفاعيل المفعول به بحرف .. بواسطة هذا يُؤخَّر عمّا وُصِلَ إليه بدون واسطة.