وبفتحها: (مقدَّمةٌ) كمقدَّمة الرَّحل في لغة، يعني: بفتح الدال، حينئذٍ تكون أمورٌ مقدَّمة يعني: من"قدّم"المتعدي، إذا كانت بكسر الدال فهي مأخوذة من"قدّمَ"اللازم، وقيل: من"قدّمَ"المتعدي، يعني: إذا كانت بالكسر يجوز الوجهان، أن تكون مأخوذة من"قدّم"المتعدي، أو"قدّم"اللازم، وإذا كانت بفتح الدال: (مقدّمة) فهي لا تكون إلا من"قدّم"المتعدي، ولا تكون من اللازم.
إذا كانت مِن"قدّم"اللازم تفسر بأنها أمور متقدِّمة، يعني: بنفسها كمقدمة الجيش، وإذا كانت من"قدّم"المتعدي هي أمور مقدَّمةٌ، والمعنى المؤدى واحد.
المقدمة مقدمتان عند أهل العلم كما مرَّ معنا مرارًا: مقدمة كتاب، ومقدمة علم، مقدمة الكتاب يحدُّونها بأنها اسم لطائفةٍ تقدَّمت أمام المقصود لارتباطٍ له بها، وانتفاع بها فيه، سواء توقَّفَ عليها الشروع في الفن أم لا، ومقدِّمة العلم ما هو؟ مقدمة العلم ما يتوقف عليه الشروع في الفن، مِن معرفة حدّه وموضوعه وغايته:
إِنَّ مَبَادِي كُلِّ فَنٍّ عَشَرَةْ
ج ... الحَدُّ وَالمَوضُوعُ ثُمَّ الثَّمَرَةْ
وَفَضْلُهُ وَنِسْبَةٌ وَالْوَاضِعْ ... وَالاِسْمُ الاِسْتِمْدَادُ حُكْمُ الشَّارِعْ
مَسَائِلٌ وَالْبَعْضُ بِالْبَعْضِ اكْتَفَى
جج ... وَمَنْ دَرَى الجَمِيعَ حَازَ الشَّرفَا
ج
هذه تُسمّى مقدمة علم، يعني: يَذكرُ فيها الناظم أو الشارح أو غيرهما، يذكر حدَّ العلم أو موضوعه، وغايته وفائدته ومسائله، إلى آخر ما ذُكر في النظم وهو لمحمد بن علي الصبان، نظمه في حاشيته على شرح الملَّوِي على السنة؛ لأن بعضهم ينسبها إلى غير محمد بن علي الصبان.
العلاقة بين المقدمتين، نقول: مقدمة الكتاب عند الكثيرين اسم للألفاظ المخصوصة الدالة على المعاني المخصوصة، فمقدِّمة العلم اسم للمعاني المخصوصة، إذن: مِن جهة المفهوم بين المقدمتين التباين؛ لأن مقدمة الكتاب اسم للألفاظ، ومقدّمة العلم اسم للمعاني، واللفظ والمعنى متباينان في الأصل، ومقدمة العلم ومقدمة الكتاب يُنظرُ إليهما باعتبار المفهوم، ويُنظرُ إليهما باعتبار الوجود، يعني: بالفعل، اعتبار المفهوم يعني: بالعقل، اعتبار المفهوم بالعقل، بينهما التباين، وباعتبار الوجود بينهما العموم والخصوص المطلق، والأعمُّ: مقدمة الكتاب، الأخص مقدمة العلم، كلما وُجِدت مقدمة الكتاب وُجِدت مقدمة العلم من غير العكس، وهذا الكلام يحتاج إلى شرح طويل، فيه اعتراضات وأخذٌ وعطاءٌ في حواشي التفسير وفي حواشي الأصول وغير ذلك.
(المقدِّمة) هنا جرى على ما ذكره صاحب الأصل، الأصل في الناظم أنه وإن اختصر بعض المسائل إلا أنه جرى في الترتيب على ما جرى عليه صاحب الأصل، الخطيب القزويني صاحب التلخيص، جعلَ الكتاب مؤلفًا من مقدمة وثلاثة فنون، وذكرَ خاتمةً بعد فنّ البديع، واختلفوا: