كلمةٌ دلَّت على معنى أخرجنا الحرف؛ لأنه لا يدلُّ على معنىً في نفسه، ماذا بقي؟ الفعل، لا بدّ من فصلٍِ ثانٍ حتى نخرِجَ الفعل، ولم يقترن بزمان، أو بأحدِ الأزمنة الثلاثة وضعًا أخرجنا الفعل، حينئذٍ اختصَّ الحدُّ بالاسم، هنا القسمة الثنائية، قال: ما شملَ الخبرَ والإنشاء، وليسَ عندنا ثالث، فنحتاجُ إلى فصلٍِ واحدٍ لإخراج الخبر، فقال: لم يكن .. ما لم يكن محتمِلًا للصدق والكذب، هذا فصلٌ .. كلّه فصل، حصَلَ به الإخراج .. أخرجَ به الخبر، لماذا؟
لأن الخبر هو ما احتملَ الصدقَ والكذبَ لذاته، وفسَّرنا الصدق: بأنه مُطابقة الواقع، بقطعِ النظر عن الاعتقاد، لو قال الكافر الذي يُنكِر الإسلام: الإسلام حقٌّ، صِدقٌ أو كَذبٌ؟ صدق، لماذا؟ لأنه طابق الواقع، كلمة حقّ هذه ولو كان يعتقد خلافَه، فإذا قال الكافر الذي يُنكِر الإسلام؛ لأن الكفار بعضهم يروا أن الإسلام ثابت، وأنه واقع، لكنه خاصٌّ بالعرب مثلًا إلى آخره، فإذا قال: الإسلام حقٌّ، نقول: هذه كلمةٌ، وهي خبرٌ طابقت الواقع، فتُوصَف بكونها صادقة، ولو خالفت اعتقاد المتكلم.
والكذب: هو عدمُ مُطابقة اللفظ للواقع، لو قالَ الفلاسفة: العالم قديمٌ، حقٌّ أو باطل؟ يقصدون بالقِدم: أنه أزلي، نقول: باطل، غيرُ مطابق للواقع، مع كونه يُطابِق اعتقاده، أليس كذلك؟ هو يَعتقِد هذا، فنقول: هذا لكون اللفظ غير مطابق للواقع، ولو وافقَ اعتقادَه نقول: هذا كذب وليس بصدق، إذن: لا يُتلفتُ إلى الاعتقاد سواءٌ طابَقَ أو لم يطابق، وليس ثَم واسطة بين الصدق والكذب، واستدللنا على ذلك؟ بقوله تعالى (( إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ) ) [المنافقون:1] كاذبون في ماذا؟ في ادعاء الشهادة لا في المشهود به، شهدوا بماذا؟ برسالة النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (( نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ) ) [المنافقون:1] هو رسول الله حقًا وصدقًا، قال الله عز وجل: (( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ) ) [المنافقون:1] لا في قولهم: (( إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ) ) [المنافقون:1] بل في قولهم"نشهد"، لأن الشهادة هذا أمرٌ آخر.
لأن الجاحظ أظنه استدلَّ بهذه الآية على إثبات الواسطة، قال:"الله عز وجل كذَّبهم"لماذا كذبهم؟ قال:"لأنه لم يُطابق اللفظ اعتقادهم ولو طابقَ الواقعَ، إذن: ثَم واسطة بين الصدق والكذب"والصواب: لا، يقال: التكذيب هنا محلُّه الشهادة، لأن الشهادة لا بد أن يكون مُقرًّا بلفظه ما يعتقده بقلبه، إذا قال: أشهدُ، معناه: أقرُّ وأعترفُ وأحكمُ وأقضي بأنّ الرسول حقٌ، إذن: لا بد أن يكون ماذا؟ ثم تطابق بين الاعتقاد والواقع، والآية سبقَ الكلام فيها مرارًا.