اختلفَ العلماء البيانيون في حدِّ الفصاحة والبلاغة، كل منهم ذكرَ حدًّا مغايرًا للآخر، حتى ذُكر أنها لا تُعدّ ولا تحصى، وكلُّها مردودة. كل من رامَ أن يحدَّ الفصاحة بحدٍّ عام فحدُّهُ مردود، وكل من رامَ أن يحدَّ البلاغة بحدٍّ عام فحده مردود، لماذا؟
لأن الفصاحة ليست شيئًا واحدًا، بل هي مختلفة باختلاف موصوفاتها؛ لأن الفصاحة يُوصفُ بها المفرد، ويُوصفُ بها الكلام، ويُوصفُ بها المتكلم، يقال: كلمة فصيحة، وكلامٌ فصيح، ومُتكلِّم فصيح، والبلاغة يُوصف بها المتكلم، فيقال: متكلمٌ بليغ. شاعرٌ بليغ. خطيبٌ بليغ، ويُوصف بها الكلام، فيقال: كلامٌ بليغ. قصيدةٌ بليغة.
إذن: إذا عُرف أن الفصاحة متعددة والبلاغة متعددة، لكل قسمٍ من أقسام الفصاحة معنىً يختصُّ به لا يشاركُهُ فيه النوع الآخر، ففصاحةُ المفرد مُغايرةٌ لفصاحة الكلام، وفصاحةُ الكلام مُغايرةٌ لفصاحة المُتكَلِّم، إذا ثبتَ التغايرُ بين هذه الأقسام الثلاثة وكلّها مندرجة تحت الفصاحة، إذن: تعذّرَ جمع المعاني المختلفة في حدٍّ واحد، لذلك كل من رامَ أن يُحد الفصاحة بحدٍّ عام ليشمل فصاحة المفرد والمتكلم والكلام، نقول: حدُّك فاسد، لماذا؟ لأن معاني هذه الثلاثة متباينة، ولا يمكن أن تُجمع في حدٍّ واحد، ضرورة تعذر جمع المعاني المختلفة في تعريف واحد.
ولا يوجد قدرٌ مشترَك بينها بحيث يُجعل مناطًا للتعريف، وعليه نقول: لا يمكن أن تُحدّ الفصاحة بحدٍّ واحد.
وكذلك البلاغة: البلاغة يُوصف بها المتكلم، ويُوصف بها الكلام، ولا يُوصف بها المفرد، لا يصحُّ أن يقال: كلمة بليغة، وإنما يُقال: كلامٌ بليغ ومتكلِّم بليغ، مَن رامَ أن يحدّ البلاغة بحدٍّ جامعٍ يعمّ بلاغة الكلام وبلاغة المتكلِّم فقد رامَ مستحيلًا، لماذا؟ لتعذر جمع المعاني المختلفة في تعريف واحدٍ ولا قدر مشترك بينها، بحيث يجعل مناطًا للتعريف.
وعليه لا بد أن ننظر في البلاغة والفصاحة باعتبار موصوفاتها، فننظر في حدّ فصاحة المفرد، ما هو؟ فنحدّ فصاحة المفرد بتعريف خاص، أو ضابطٍ خاص لا يشمل فصاحة المتكلم ولا فصاحة الكلام، كذلك ننظرُ في بلاغة المتكلّم فنحدّها بحدّ لا يشاركه فيه بلاغة الكلام، وهلم جرا.
هنا قال: فصاحة المفرد، قدّم الفصاحة على البلاغة، فصاحة المفرد، ثم قال بعد ذلك:
وَجَعَلوا بلاغةَ الكلامِ ... طِباقَهُ لِمُقتضَى المَقامِ
قدّم الفصاحة على البلاغة لأمرين:
نقول: لأن محالّ -يعني: موصوفات- محالّ الفصاحة أكثر من محالّ البلاغة؛ لأن الذي يُوصفُ بالفصاحة ثلاثة أشياء، والذي يُوصف بالبلاغة شيئان؛ لأن وصف المفرد -الكلمة الواحدة- بالبلاغة هذا مُنتَفٍ، إذن: ما كان أكثرَ محالَّ أولى بالتقديم من غيره.
الثاني -وهو أهم-: أن الفصاحة مأخوذة في حدّ البلاغة، فالفصاحةُ كالشرط للبلاغة، وحقُّ الشرطِ التقدم على المشروط، العلم بالشرط مقدَّمٌ على العلم بالمشروط، ولذلك ينصّ الفقهاء: على أن كتاب الطهارة مقدَّمٌ على كتاب الصلاة، لم قُدِّمَ والصلاة ركنٌ من أركان الدين، الأولى أنها تقدم، لماذا؟ قالوا: لأن الطهارة شرط، والصلاة مشروط، والعلم بالشرط مقدمٌ على العلم بالمشروط.