فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 828

أراد بعضهم أن ينشئ نسبة بين الفصاحة والبلاغة، ما العلاقة بينهما؟ قيل: العموم والخصوص المطلق، فكل ما يُوصف بالبلاغة يُوصف بالفصاحة من غير عكس، لماذا من غير عكس؟ لأن ثمّ نوعًا ينفردُ بوصفه بالفصاحة ولا يُوصف بالبلاغة، وقيل: بينهما الترادف، وهذا لعلَّ قائله كما نص بعضهم أخذه من كلمة الجوهري، وهي أن البلاغة الفصاحة، فأُخذ على المعنى الصحيح المستفاد من هذا: أن الكلمة الواحدة تُوصفُ بالبلاغة فيقال: كلمة بليغة، لكن يكاد أن يُطبق الشراح على أن هذا الكلام من الجوهري إما مؤول وإما تسامح، يعني: لا يُسلَّمُ له أن الكلمة توصف بالبلاغة لعدم السماع.

إذن: هذا قال: إن العلاقة بين الفصاحة والبلاغة هي الترادف، لماذا الترادف؟ لأن ما يُوصف بالفصاحة وهو المفرد والكلام والمتكلّم يوصف أيضًا بالبلاغة فهما مترادفان، وقيل: التباين، العلاقة بين الفصاحة والبلاغة التباين، لماذا؟ على قولٍِ عندهم: أن الفصاحة وَصفٌ للفظ، والبلاغة وَصفٌ للمعنى، فحينئذٍ حصلَ التباين بينهما.

قيل: الراجح العموم والخصوص الوجهي، الفصاحة يُوصف بها اللفظ، والبلاغة يُوصف بها اللفظ وتنفرد بالمعنى، يعني: المعنى يُوصف بالبلاغة، لكن لا يُقال: هذا معنىً فصيح؛ لا يقال، وإنما يقال: هذا معنىً بليغ، ولا يقال: هذا معنىً فصيح، وقيل وهو ما ذهبَ إليه ابن السبكي بهاء الدين: أن العلاقة بينهما كلٌ وجزءٌ، أن البلاغة كلٌ ذو أجزاء مترتبة، والفصاحة جزءٌ غير محمول، يعني: لا يستقلّ بنفسه.

وأنبّهُ أن شرح بهاء الدين السبكي على التلخيص هو أنفس شرح، وقد نصَّ في المقدمة: أنه جمعَهُ من زهاء خمسين مصنفًا، ولهذا الطالب يعتني بمثل هذه الكتب، عندما يأتي عالم وخاصّة مَن له إلمام بالفن، وراسخ في الفن، ثم يُلخِّص لك خمسين مصنفًا، يمكن ثلثها أو ربعها ما طبع ولا وصل إليها، فهذا يدل على أن هذا الكتاب له قيمته.

كما صنع أخوه، مَن؟ تاج الدين السبكي بجمع الجوامع، قال: جمعتُهُ مِن زهاء مائة مصنف، مائة! هذا ليس بالسهل، إذا حفظت جمع الجوامع أو نظم جمع الجوامع، على أنك حفظت ملخص مائة مصنف ... هذا سهل؟! ليس بالسهل، فبهاءُ الدين السبكي شرحَ التلخيص وجمعَ شرحَه من زهاء خمسين مصنفًا، لذلك ذكرَ في أن العلاقة بين الفصاحة والبلاغة: العلاقة بين الكل والجزء، والجزء هو الفصاحة، والكل هو البلاغة.

فصاحة المفرد: إذن لمَ قال الناظم هنا: فصاحة المفرد، ولم يقل: الفصاحة؛ لأنه أراد أن يحدَّ كل قسمٍ من أقسام ما يُطلقُ عليه أنه فصيح ولا يمكن أن تُجمع، لقال: فصاحة المفرد، ثم قال: وفي الكلام، ثم قال: وذي الكلام، ذي الكلام، يعني: المتكلِّم، فعرف الفصاحة تعريفًا خاصًا باعتبار كل موصوف على حدة، ولم يجمع بينها في حدٍّ واحد؛ لأنه متعذِّر، فقال: فصاحة المفرد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت