إذن: المفرد لا نُفسّره كما قاله كثير ممن شرح التلخيص، قال: المفرد هو ما لا يدل جزؤه على جزء معناه، طيب! قابله الكلام؟ قالوا: يشمل الكلام الذي هو الإسناد التام والإسناد الناقص ليشمل الجملة التي ليست بكلام والمركبات الناقصة.
الثالث: الذي هو المُتكَلِّم. وهذا واضح، مُنشِئٌ من الإنشاء، الذي يُنشئ الكلام يرتبه، يعني: الكلام.
إذن: يُوصف بالفصاحة ثلاثة أشياء: المفرد: ونفسِّرهُ بالكلمة الواحدة، المركَّب: ويدخل تحته الكلام الاصطلاحي عند النحاة، والجملة التي ليست بكلام، والمركبات الناقصة: كالمزجي، والإضافي، والتوصيفي والعددي، والصوتي عند بعضهم، المنشئ: الذي هو المتكلم فيقال:"مُتكَلِّم فصيح"،"خطيب فصيح"،"شاعر فصيح"، لا إشكال في هذا.
البلاغة وغير ثانٍ: يُوصفُ بالفصاحة المركب ومفردٌ ومنشئٌ .. غير ثانٍ، ما هو؟ المفرد، غير ثانٍ: قِسمٌ للبلاغة، فقل: كلام أو مركب بليغ، لكن البلاغة هنا أخصُّ، فيُوصفُ بها الكلام التام دون الناقص؛ لأنه سيأتي أنه قال:
وجَعَلُوا بَلاغَةَ الكَلامِ ... طِباقَهُ لِمُقتَضى المَقامِ
لذلك لا تُوصفُ الكلمة المفردة؛ الكلمة الواحدة لا تُوصفُ بالبلاغة، لماذا؟ لأنهم قالوا: البلاغة مأخوذة من الوصول والانتهاء، بلُغَ إذا أسرع .. إذا انتهى، بلُغ فعُل، إذا قيل بلاغة، على وزن فَعالة فعُولة، فَعَالة لفَعُولة، بلاغة على وزن فعالة.
بعض السُّفهاء يقول: بلاهة! يريد أن يحرِّف هذا الفن، فيقول: بلاهة، وليس بلاغة بل هو الأبله، إذن: من بلُغَ من باب فعُلَ، فَعُولة فَعَالة لفَعُولة، فسهل الأمر وزيد جزل.
إذن: الكلمة لا يمكن أن تكون مُستوفِيةً أو مُنزَّلًا عليها حدّ البلاغة؛ لأن مطابقة الكلام لمقتضى الحال لا تكون بدون تركيب، والكلمة المفردة لا تكون مركبة، إذن: وصفُ الكلام في الأصل إنما هو للمركب الذي يطابقُ الحال، هكذا قالوا، لكن نقول: هذا أيضًا من الأصل الذي منعناه في أول الكلام، لماذا؟ لأن فيه تفسير بلاغة المفرد إن صحّ ببلاغة الكلام، ونحن نقول: كلٌ من هذه الأقسام الثلاثة مستقلٌّ بمعنى خاص، وعليه نقول: الأولى في عدم وصف المفرد بالبلاغة عدمُ السماع، لم يُسمع، هم يقولون: لكون البلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال، وهذا لا يكون بدون تركيب، والمفرد ليس مركبًا فإذن لا يوصف بالبلاغة، نقول: جُعل حد بلاغة الكلام منزَّلًا على بلاغة المفرد إن ثبت، وهذا منعناه أصلًا. أن كلًا من هذه الأقسام الثلاثة يوصف بالفصاحة بمعنىً ينفكُّ عن الآخر، ويوصف بالبلاغة بمعنىً ينفكُّ عن الآخر، إذن: لا يعلل عدمُ سماع المفرد: أنه بليغ .. كلمة بليغة بحدِّ البلاغة في الكلام، وإنما نقول: لا يقال: كلمةٌ بليغة لعدم السماع.
وبعضهم يقول: لأن البلاغة يحصلُ بها تمامُ الغرض؛ لأنها من البلوغ، وتمام الغرض لا يحصلُ بدون تركيب، لكن أيضًا نقول: هذا فيه ما في الأول، والأصح أن نقول: لا تُوصف الكلمة بالبلاغة فلا يُقال: كلمة بليغة، لعدم السماع.
إذن: عرفنا أن الذي يُوصف بالفصاحة ثلاثة أشياء، وعرفنا أن الذي يوصف بالبلاغة شيئان: المفرد لا يوصف بالبلاغة.