إذن: الإيجازُ عرَّفه المصنف هنا: وبِأقلَّ مِنْهُ إِيجازٌ عُلِمْ .. وبِأقلَّ مِنْهُ، يعني: كونُ اللفظِ أقلَّ من المعنى، لكن بشرط: مِن غير إخلال، لأنه قد يَختَصِر مُختَصِر، والإيجاز مرادف للاختصار .. قد يُوجِز ويختصِر ويحذف بعض الكلمات فإذا به يحذِفُ معه بعض المعنى، فحينئذٍ ماذا حصلَ؟ حصلَ إيجازٌ في اللفظ نعم، لكنه إيجازٌ ترتَّبَ عليه إخلال، فإذا ترتَّبَ عليه الإخلال والخلل صارَ المعنى قلقًا، وصارَ المعنى مضطربًا وركيكًا، حينئذٍ لا يكونُ من قبيل الفصيح، والكلام هنا في البلاغة، حينئذٍ لا بد أن يكون الإيجاز قد وافى البلاغة والفصاحة، حينئذٍ كونُ اللفظِ أقلّ من المعنى من غير إخلالٍ.
(( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) ) [الفاتحة:5] لفظٌ أُرِيدَ به القصر والحصر، وسبقَ أن القصرَ والحصرَ قد يكونُ من جهة المفهوم، (( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) ) [الفاتحة:5] في إثبات العبادة، ونفيُ العبادة عن غير الله، من أين أخذنا نفي العبادة عن غير الله؟ بالمفهوم، هل هو من اللفظ؟ إذن: عندنا مَعنيان: معنىً هو إثباتُ العبادة لله وحدَه وهذا مَدلُولٌ عليه باللفظ، ومعنىً دلَّ عليه هذا المعنى وهو: نفيُ العبادةِ عن سوى الله تعالى، حينئذٍ أيُّهما أكثر المعنى أم اللفظ؟ المعنى قطعًا، (( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) ) [الفاتحة:5] هذا لفظ، نعبدُك: هذا الأصل، حينئذٍ فعلٌ وفاعل ومفعولٌ به، لكن المعنى الذي دلَّ عليه اللفظ: إثبات العبادةِ لله تعالى، ونفيها عمّا سواه هذا مأخوذٌ بطريقِ القصر والحصر، حينئذٍ صارَ المعنى أكثرَ من اللفظ، وقُل في كلّ ما يُفيدُ القصرَ والحصرَ على هذا، فهو إيجازٌ على هذا المعنى:
كونُ اللفظِ أقلَّ من المعنى من غير إخلالٍ، (( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) ) [الفاتحة:5] أي: أقل مما وُضِعَ لأجزاء المعنى مطابقةً، أو مما يُساوي ما وُضِعَ، الذي هو دلالة التضمن ونحوها.
وبِأقلَّ مِنْهُ، يعني: تأديةُ المعنى بلفظِ قَدْرِهِ، وتأدية المعنى بِأقلَّ مِنْهُ: الضمير يعودُ على المعنى، تأديةُ المعنى بلفظٍ قَدْرِهِ: تأديةُ المعنى بِأقلَّ مِنْهُ، يعني: بلَفظٍ أقلَّ من المعنى، حينئذٍ يكونُ المعنى كثير واللفظ قليل.
إِيجازٌ عُلِمْ، يعني: عُلِمَ إيجاز، إن جُعِلَ إيجازُ مفعولا مقدَّما حينئذٍ تنصبُه، لكن ليس هذا المراد، إيجازٌ وبِأقلَّ مِنْهُ إِيجازٌ عُلِمْ، لو نصبتَهُ لا بأس، يعني: عُلِمَ إيجازًا .. حال كونه إيجازًا، وإذا رفعتَه حينئذٍ يكونُ ماذا؟ يكونُ التقدير: وإيجازٌ: تأديةُ المعنى بأقل منه، هذا مُحتمِل.
هنا قال ماذا؟ وبِأقلَّ مِنْهُ إِيجازٌ، أي: وتأديةُ المعنى بلفظٍ أقلَّ منه إِيجازٌ عُلِمْ، أي: التأديةُ باللفظ الأقلّ هي المسماة في الاصطلاح بالإيجاز، وتُسمّى اختصارًا، وقد يُسمّى نفسُ اللفظ المؤدّى به المعنى إيجازًا، وهو أكثرُ استعمالًا، يعني: إما أن يُراد به المعنى المصدري التأدية، فعلكَ أنت يُسمى إيجازًا، وإما أن يُرَاد به اللفظ نفسه، وهو أكثرُ استعمالًا.
ثم قال: وَهْوَ، أي: الإيجازُ، إلى قَصْرٍ وَحَذفٍ ينْقَسِمْ، وهو ينقسِمُ إلى قصرٍ: جار ومجرور مُتعلّق بقوله: ينْقَسِمْ، وَحَذفٍ معطوف على قَصْرٍ، في بعض النسخ:
وهو إلى حَذفٍ وقَصْرٍ ينقسم ..