والإيجازُ لغةً: تقليلُ اللفظ مطلقًا، ولا فرقَ عندَ السكاكي بين الإيجاز والاقتصار وهذا هو المشهور: أن الإيجازَ يُسمّى اقتصارًا، ولذلك يُعبَّر عنه عندَ النحاة: حُذِفَ اختصارًا، ويقابلُهُ الاقتصار بالقاف، وقالَ ابنُ الأثير وغيره:"الإيجازُ: هو التعبيرُ عن المراد بلفظٍ غيرِ زائد"ما رأيكم بهذا التعبير؟ التعبير عن المراد يشمل؟ أحسنتَ! ولذلك عندَ ابن الأثير ينقسِمُ إلى قسمين: إيجازٌ وإطنابٌ وأنكرَ المساواة وأدخلَها في الإيجاز، ولذلك عبَّرَ بتعبيِرٍ عام، فالكلام عندَه إما أن يكونَ زائدًا وإما أن يكونَ ناقصًا، والمساواة لا تنفكُّ عن تقرير اللفظ، يعني: الحذف.
حينئذٍ أدخلَهُ في تعريف الإيجاز، فقال:"التعبير عن المراد بلفظٍ غير زائد"والإطنابُ بلفظٍ زائد، فلا واسطةَ عنده، يعني: ثَم مُساواة، إما إيجاز وإما إطناب، والمساواةُ داخِلةٌ في الإيجاز، والسكّاكي يَراها واسطة بين الإيجاز والإطناب، لكن يجعُلها أبدًا غير مقبولة .. يرفُضُها، يعني: يجعلها من قبيل التقسيم فحسب، وأما من حيث القبول والكلام الفصيح فليست عنده، حينئذٍ يرفُضُها .. حينئذٍ لا يُوجَد عنده مثالٌ للمساواة من القرآن البتة، لا يوجد عند السكاكي مثالٌ للمساواة البتة، أبدا لماذا؟ لأنها مقبولة ليست فصيحة، وإذا كان كذلك لا يأتي القرآن به، فالقرآن إما إيجاز وإما إطناب، والجمهورُ على خلافِ هذين الرجلين السكاكي وابن الأثير، فأثبتوا المساواة.
نعم! رُوعِيَ ما انتُقِدَ به الأمثلةُ السابقة بأنه كلّ حذفٍ سواءً كان يُؤدّي .. له أثر في أصل التأدية أو لا، على هذا الكلام يمكن، بأنه لا تسلُمُ المساواة من الاعتراض، إما لَفظٌ زائد كالسيئ، وإما لَفظٌ ناقص ولو لم يكن له أثرٌ في تأديةِ أصل المعنى المراد، كالمتعلقات مثلًا، المتعلقات هذا لا يكاد يسلمُ منها مثال إلا أن يشاء الله، حينئذٍ نقول: المتعلقات هذه محذوفة وليسَ لها أثر في تأديةِ أصل المعنى المراد، حينئذٍ من اعتبرَها مؤثِّرة لا يُوجَد عنده مساواة.
إذن: السكّاكي يراها واسطة، لكن يجعلُها أبدًا غير مقبولة، بل بها يُعتبَر الإيجاز والإطناب المقبولان فقط، يعني: المساواة يُثبتُها من أجل أن يصلَ إلى حقيقة الإيجاز والإطناب، لأن القسمة عقلية، إذا أردتَ أن أعبِّر عما في نفسي إما أن آتي بلفظٍ مُطابق له أو زائد، أو ناقص، القسمة ثلاثية عقلية، لكن في الوجود يقول: لا وجودَ للمساواة، وإنما نَعرِف الإيجاز والإطناب بواسطة المساواة، أما هي فغيرُ مقبولة، لأنه لا يُوجَد لها مثالٌ.