فهرس الكتاب

الصفحة 491 من 828

حينئذٍ استعمال الألفاظ في الدلالة على اللازم القريب لا شك أنه أوضح من اللازم البعيد فحصل التفاوت، فيمكن تأدية ذلك المعنى الملزوم بالألفاظ الموضوعة لهذه اللوازم المختلفة الدلالة عليه وضوحًا وخفاءً، وكذا يمكن أن يكون للازمٍ واحدٍ ملزومات متعددة مختلفة، لزومها لبعضها أوضح منه للبعض الآخر، فيمكن تأدية ذلك اللازم بالألفاظ الموضوعة لتلك الملزومات المختلفة الدلالة عليه وضوحًا وخفاءً.

المراد هنا: أن اللازم يختلف، قد يكون الشيء له عدة لوازم بعضها أقرب إلى الملزوم من الآخر، فحينئذٍ التعبير عن اللازم القريب لا شك أنه أوضح من التعبير عن اللازم البعيد، مع أن كلًا منهما واضح، مثلًا قولنا -كما قال هنا-: زيدٌ جوادٌ، يلزمه عدة لوازم مختلفة، منها كونه كثير الرماد، فلو قيل: زيدٌ جوادٌ .. زيدٌ كثير الرماد .. زيدٌ مهزول الفصيل، حينئذٍ نقول: هذه عبارات مختلفة، وهي لوازمٌ لـ زيدٌ جوادٌ، لكن بعضها أقرب إلى الذهن من بعض، فكونه كثير الرماد، هذا أقرب من كونه: مهزول الفصيل، كثير الطبخ .. كثير الذبح، كلها لوازم، لكن بعضها أقرب إلى ذهن المخاطب من بعضٍ، فما كان أقرب كان أوضح.

فيمكن تأدية هذا المعنى بتلك العبارات التي أولها أوضح دلالةً عليه من الثاني: كثير الرماد أوضح من قولك: مهزول الفصيل، وأما في التضمن فبيانه: أنه يجوز أن يكون المعنى جزءً من شيءٍ وهذا واضح، وجزءً لجزءٍ من شيءٍ آخر، يعني: المعنى قد يكون جزءً وهذا واضح، وقد يكون جزءً لجزءٍ، حينئذٍ الوصول إلى هذا الجزء فيه عدم وضوحٍ ليس كالجزء السابق، فدلالة الشيء الذي ذلك المعنى جزءٌ منه على ذلك المعنى أوضح من دلالة ذلك الشيء الذي ذلك المعنى جزءٌ من جزئه عليه.

مثلًا: دلالة الحيوان على الجسم، دلالة الإنسان على الجسم، أيهما أقرب؟ دلالة الحيوان على الجسم أقرب وأوضح من دلالة الإنسان على الجسم، فهو أبعد؛ لأن الجسم قد يكون متحركًا وقد لا يكون متحركًا؛ فدلالة الحيوان على الجسم أوضح من دلالة الإنسان عليه، ودلالة الجدار على التراب أوضح من دلالة البيت عليه، مع كون التراب جزء من الجدار، وجزءٌ من البيت، إلا أن دلالة الجدار على التراب أقرب من دلالة البيت على التراب، وهذا لا يتأتى في الدلالة الوضعية الصرفة، لماذا؟ قالوا: لأن السامع إذا كان عالمًا بوضع الألفاظ لذلك المعنى لم يكن بعضها أوضح عنده من البعض الآخر، يعني: ليس فيها تفاوت، وإن لم يكن عالمًا بذلك لم يكن كل واحدٍ من الألفاظ دالًا عليه لتوقف الفهم على العلم بالوضع، وإنما ذكرها هنا لماذا؟ يعني: ما ذكر المطابقية، لأنه لا يمكن فهم التضمن والالتزام إلا بفهمها لاستلزامهما لها، ولاستيفاء الأقسام للدلالة الوضعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت