فهرس الكتاب

الصفحة 490 من 828

المناطقة على أنهما وضعيتان، عامة المناطقة على هذا، وعامة البيانيين على أنهما عقليتان، وجمهور الأصوليين على التفصيل: دلالة التضمن وضعية، ودلالة الالتزام عقلية، وهذا هو الظاهر والله أعلم .. مذهب جمهور الأصوليين هو الظاهر، لأن استعمال اللفظ في جزء المعنى موجودٌ في لسان العرب، سواءٌ سمي حقيقةً أو مجازًا.

وشرط الالتزام هنا: أن يكون الملزوم ذهنيًا ولو باعتقاد المخاطب، كعُرفٍ عام مثلًا، أو خاص كالشرع مثلًا، واصطلاح أرباب الصناعات، تلازم عادي لا يشترط فيه أن يكون التلازم عقليًا كما هو الشأن عند المناطقة: إِن بعقلٍ التُزِم .. هكذا شرطهم، لكن ليس بمرادٍ هنا، فكونها دلالة التزامية لا يفهم أن يكون اللازم المشروط هنا، كاللازم المشروط عند المناطقة.

ولا يشترط أن يمنع العقلُ انفكاكَه كما اشترطه المناطقة، يعني: لا يشترط في اللازم .. يمكن أن يقال بأن دلالة الالتزام عند البيانيين أعم من دلالة الالتزام عند المناطقة، إذًا: لا يشترط أن يمنع العقل انفكاكه كما اشترطه المناطقة، وإلا لخرج كثير من معاني المجازات والكنايات، نحن نقول: من إطلاق الملزوم على اللازم أو اللازم على الملزوم، قد يجوز العقل انفكاكه، إذًا ليس بدلالة التزامية، وحينئذٍ نقول: اللازم هنا عند البيانيين أعم من اللازم عند المناطقة، وإلا لخرج كثيرٌ من معاني المجازات والكنايات عن أن تكون مدلولاتٍ التزامية، ولما تأتى الاختلاف بالوضوح في دلالة الالتزام أيضًا.

وتقييد اللازم أو اللزوم بالذهني، حينئذٍ يرد اعتراض: لماذا تقولون: لزومًا ذهنيًا؟ تقييد اللازم أو اللزوم بالذهني إشارة إلى أنه لا يشترط اللزوم الخارجي، فالذهني هنا مقابل للزوم الخارجي، كالعمى فإنه يدل على البصر التزامًا، لأنه عدم البصر .. عمى، لا يتصور العمى إلا إذا تصور البصر، لكنه شيءٌ خارج ليس في الذهن، فإنه يدل على البصر التزامًا لأنه عدم البصر عما من شأنه أن يكون بصيرًا، مع التنافي بينهما في الخارج.

والمنطقيون يسمون الثلاثة وضعية، بمعنى: أن للوضع فيها مدخلًا، ويخصون العقلية بما يقابل الوضعية والطبيعية، فإذا تقرر ذلك فإيراد المعنى الواحد بطرقٍ مختلفةٍ في الوضوح الذي هو مدار هذا الفن لا يتأتى بالوضعية الصرفة خالصة محضة وهي المطابقية التي عنون لها المصنف هنا بالمطابقية، والتي يسميها المناطقة كذلك بالمطابقية، وإنما يختلف الإيراد للمعنى الواحد بالطرق المختلفة في الوضوح في الدلالة العقلية، لأن العقل يتفاوت، حينئذٍ تفاوت العقل ليس مطلقًا لأننا أخرجنا ما دل عقلًا، وإنما المراد به في الفهم من اللفظ، كإطلاق اللازم على الملزوم، وكذلك إطلاق الملزوم على اللازم، أي: مراتب لزوم الأجزاء للكل في التضمن، ومراتب لزوم اللوازم للملزوم في الالتزام، وهذا في الالتزام ظاهرٌ، فإنه يجوز أن يكون لشيءٍ واحدٍ لوازم متعددة بعضها أقرب إليه من بعضٍ، وأسرع انتقالًا منه إليه لقلة الوسائط، إذًا اللوازم تختلف وتتعدد وبعضها أقرب إلى الملزوم وبعضها أبعد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت