فهرس الكتاب

الصفحة 489 من 828

وإن دل اللفظ على جزئه في ضمن كله فتضمنية، كدلالة الإنسان على الحيوان فقط، أو على الناطق فقط، إذا أطلقت لفظ الإنسان وأردت .. خصصت، لا بد من قرينة هنا، أردت الإنسان وعنيت به الحيوان فقط، حينئذٍ نقول: استعمل اللفظ في بعض ما وضع له في أحد جزئيه، وهو الحيوان دون الناطق، أو أطلقت الإنسان وأردت به الناطق فقط، فحينئذٍ استعملت اللفظ في جزئه، يعني: جزء معناه، هذا يسمى: دلالة تضمنية، كدلالة الإنسان على الحيوان في ضمن الحيوان الناطق، فهنا دل اللفظ على جزء الموضوع له من حيث هو جزءٌ كدلالة الإنسان على الحيوان فقط، أو على الناطق فقط، وإن دل اللفظ على أمرٍ خارجٍ عن معناه لازمٍ له فالتزامية، كدلالة الإنسان على قبول العلم، لو قيل: هذا إنسانٌ، إذًا: يقبل العلم .. هذا إنسانٌ، إذًا: يقبل الضحك .. يقبل المشي، فدلالة الإنسان على هذه الصفات دلالة التزامية، أو كما يعبر المناطقة بالأربعة تدل على الزوجية، هذا نقول: دلالة التزامية.

فهنا دل اللفظ على خارجٍ عن الموضوع له لازمٍ ذهنًا، من حيث إنه خارجٌ لازمٌ كدلالة الإنسان على الضاحك، يعني: بالقوة، والمطابقية هنا لا بحث للبيان فيها كما قال الناظم.

والتضمنية والالتزامية عقليتان عند أهل الفن، ولذلك قال: أقسامها ثلاثةٌ مطابقةْ تضمّنُ التزامٌ، هذه ثلاثة أقسام .. ثلاثة أقسامها، يعني: بالاستقراء والتتبع ثلاثةٌ .. ثلاثة أنواع: مطابقةْ، يعني: دلالة مطابقة، وهي دلالة اللفظ على تمام ما وضع له، يعني: على تمام المعنى الذي وضع له اللفظ، تضمّنُ: هذا الثاني، التزامٌ: هذا الثالث.

قال: ... ... اُمَّا السابقةْ

فهي الحقيقةْ وليسَ في البيانِ بحثٌ لها وعَكسها العقليّتانْ

الشاهد هنا في قوله: وعَكسها العقليّتانْ، يعني: عكس المطابقية عقليتان، فأطلق أو سمى التضمنية: عقلية، وسمى الالتزامية: عقلية، وهذا خاصٌ بأهل البيان، والتضمنية والالتزامية عقليتان عند أهل البيان فهي دلالةٌ عقلية، لأن دلالته عليهما إنما هو من جهة أن العقل يحكم بأن حصل الكلي والملزوم في الذهن، يستلزم حصول الجزئي واللازم فيه أيضًا، بمعنى: أنه إذا أطلق اللفظ الإنسان وأريد به الحيوان، الذي خص هذا اللفظ بهذا الجزء هو العقل، والذي دل على أن الإنسان قابلٌ للعلم هو العقل، فلما كان العقل له مدخلٌ هنا مع كون الأصل أنهما وضعيتان، لما كان العقل له مدخل حينئذٍ نظر البيانيون إلى وجوده فسموا الدلالة التضمنية عقلية لأن العقل يحكم بكون اللفظ هنا استعمل في جزء معناه، وسموا الالتزامية عقلية لأن اللفظ استعمل هنا في لازمٍ .. في خارجٍ لازمٍ له لزومًا ذهنيًا.

إذًا: لما راعوا العقل هنا حكموا بكون هذين النوعين، أو هاتين الدلالتين عقليتين، فالعقل يحكم بأن حصول الكلي والملزوم في الذهن يستلزم حصول الجزئي واللازم فيه أيضًا، وهذا فيه نظرٌ عند المناطقة، إذ هما وضعيتان، وعند الأصوليين التفصيل، دلالة التضمن وضعية ودلالة الالتزام عقلية، فالمذاهب ثلاثة: مطابقية باتفاق أنها وضعية، وإنما الخلاف في التضمنية والالتزامية، هل هما عقليتان، أم وضعيتان، أم فيه تفصيل؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت