فهي الحقيقةْ وليسَ في البيانِ ... بحثٌ لها وعَكسها العقليّتانْ
إذًا: بحث البيان في العقلي، والتشبيه في الدلالات الوضعية، فثَم إشكال، فكيف يُقال بأن البحث في التشبيه من مباحث علم البيان، ونحن قد أخرجناه بقولنا: وليسَ في البيانِ بحثٌ لها؟ أن علم البيان إنما ينظر في الدلالات العقلية، والتشبيهات من حيث إنها تشبيهات تكون بالدلالات الوضعية، فكيف يكون التشبيه من مقاصد البيان، كما يُشعر بذلك جعله أصلًا ثالثًا .. كيف يكون من مباحث البيان، والبحث في البيان إنما هو في العقلي لا في الوضعي، والتشبيه من حيث هو من الدلالات الوضعية، ثَم تعارض، وأجاب عنه بأنه: قد علمت أنه إنما أخذ أصلًا من علم البيان، لضرورة ابتناء الاستعارة عليه على الوجه الذي ذكر، فالاستعارة مبنية، الاستعارة قطعًا أنها من علم البيان، لأنها نوعٌ من المجاز.
فالاستعارة مبنية على التشبيه، فصار التشبيه داخلًا في مفهوم البيان، أو مما يبحث عنه البياني. أنه أنما أُخِذَ أصلًا من علم البيان، لضرورة ابتناء الاستعارة عليه على الوجه الذي ذكر، يعني: كما سيأتي بيانه، فلا يكون من أصوله بالذات، نعم هو أصل، لكنه ليس أصلًا بالذات، وإنما لكونه تبنى عليه الاستعارة، فصار أصلًا بالتبع لا بالذات، أما من حيث هو هو التشبيه فليس من مباحث علم البيان، لأنه من الدلالات الوضعية، وأما لكون الاستعارة وهي نوعٌ من المجاز، والمجاز من علم البيان قطعًا فحينئذٍ صار وسيلةً إليه، وما كان وسيلةً إلى علم البيان فهو داخلٌ فيه، لكن هل دخوله دخولًا أوليًا أو ثانويًا؟ الثاني.
إذًا: جعله أصلًا ليس ذاتيًا وإنما بالتبع، فلا يلزم أن يكون البحث فيه عن الدلالات العقلية، فالبحث في التشبيه ليس بحثًا في الدلالات العقلية، وإنما هو في الدلالات الوضعية، كيف هذا ونحن قد أخرجنا الدلالة الوضعية عن علم البيان؟ نقول: لكونه مما تبنى عليه الاستعارة وهي نوعٌ من المجاز، فصار داخلًا بهذا المفهوم، وإن عُبِّرَ بأنه أصلٌ فهو أصلٌ بالتبع لا بالأصالة.
وأجاب المرشدي بجوابٍ آخر أوسع مما ذكره التفتزاني، قال:"ويُجاب أيضًا بأنه لا يلزم مما ذكر أن نظر البيان مقصورٌ على الدلالات العقلية فقط"قد نرجع ونستدرك فنقول: علم البيان إما أن ينظر في الدلالات الوضعية فقط، أو في الدلالات العقلية فقط، أو فيهما معًا، المنفي هو الأول، وليس المنفي أن يكون نظر البيان في الدلالات العقلية فقط، أو في الدلالات العقلية والوضعية، وهذا شأن التشبيه فدخل معنا التشبيه، لكن ليس هذا المشهور، المشهور هو الأول: أن بحث البيان إنما هو في العقليات.
"أنه لا يلزم مما ذكر أن نظر البيان مقصورٌ على الدلالات العقلية فقط، وإنما اللازم أن لا يكون في الوضعية فقط، بل في العقليات الصرفة، أو في الوضعيات والعقليات جميعًا، فدخل معنا التشبيه، لأن إيراد المعنى الواحد الطرق بالمختلفة بالوضوح يمكن بجميع ذلك"يعني: إما بالعقلية فقط، أو بالوضعية والعقلية معًا، هذا وذاك.