سُمع أو ذكرَ الجوهري حدَّ الفصاحة أو البلاغة قال: البلاغة فصاحة أو العكس نسيت! البلاغة الفصاحة أو قال الفصاحة البلاغة. أخذ منه كثيرون أنه يريد وصفَ الكلام بالبلاغة والمتكلم بالبلاغة، والكلمة بالبلاغة فعلّقَ الشراح أن قول الجوهري هذا إما أنه من باب التسامح أو مؤوّل، لا بد من تأويله وإلا جماهير البيانيين على أنه لا يطلق على الكلمة أنها بليغة، وإنما يقال: كلام بليغ، ومتكلم بليغ.
إذن: نخلُصُ من هذا أن حدّ الفصاحة إنما يُعوَّل عليه إذا أُفردَ كل حدٍّ باعتبار موصوفه، فيقال: الفصاحة في المفرد: كيت وكيت، والفصاحة في المتكلم: كيت وكيت، والفصاحة في الكلام: كيت وكيت، نحدّ الفصاحة بثلاثة أنواع باعتبار موصوفاتها، ولا يمكن جمعها في حدٍّ واحدٍ؛ لأن ثم مغايرة بين الفصاحة في المفرد والمتكلم والكلام.
بدَأَ الناظم ببيان فصاحة المفرد، إذن: قدّمَ الفصاحة على البلاغة، قلنا: هذا باعتبارين أو بملحظين:
أولًا: أن الفصاحة أكثر محالَّ؛ لأنه يُوصف بها ثلاثة أشياء: المفرد والمركب والمتكلم، والبلاغة يُوصف بها أمران أو شيئان، إذن: أيهما أكثر؟ الفصاحة، فحينئذٍ يحتاج إلى التقديم لذا قُدّم.
أيضًا البلاغة يُؤخذ في حدِّها الفصاحة، إذن: صارت الفصاحة كالشرط للبلاغة، وحقُّ الشرط التقدمُ على المشروط، العلمُ بالشرط مقدَّمٌ على العلم بالمشروط، لذا قدّمَ الفصاحة عمومًا بأقسامها الثلاثة على البلاغة.
عرّف الفصاحة ابتداءً بفصاحةِ المفرد، إذن بدأ بفصاحة المفرد وقدّمها على فصاحة المتكلم والكلام. لم؟ لأن فصاحة المفرد مأخوذة في فصاحة القسمين، لا يكون الكلام فصيحًا إلا إذا كانت كلماته فصيحة، أربعة شروط منها فصاحة كلماته، ولم يذكره الناظم، لكن لا بدّ من ذكره، إذن: إذا كان الكلام الفصيح لا يُعد فصيحًا إلا إذا كانت كلماته فصيحة، إذن: صارت فصاحة المفرد كالشرط في فصاحة الكلام، وحينئذٍ وجَبَ تقديم فصاحة المفرد على فصاحة الكلام؛ لأن العلم بالشرط مُقدّمٌ على العلم بالمشروط.
فصاحةُ المفردِ أَنْ يَخْلُصَ مِنْ ... تَنافرٍ غَرابةٍ خُلْفٍ زُكِنْ
فصاحة المفرد، أي: فصاحة اللفظ المفرد أن يخلُصَ، من الخلوص، خلوصُهُ من ثلاثة أمور: أولًا التنافر في الكلمات، ثانيًا: الغرابة، ثالثًا: مخالفة القياس اللغوي. هذه ثلاثة أمور لا يُحكم على الكلمة بكونها فصيحة إلا إذا سَلِمت منها كلها، فلو وُجدَ منها واحدٌ في الكلمة حُكمَ على الكلمة بأنها غير فصيحةً.
من تنافرٍ، يعني: الحروف، وقلنا الحكم هنا في .. الحكم على الكلمة بأنها متنافرة الحروف يَرجعُ إلى الذوق، يعني: ليس مختصًّا بقُرب المخارج كما قيّدهُ بعضهم. بعضُ البيانيين يقول: تنافر الحروف مختصٌّ بما إذا كانت الحروف متقاربة المخارج، قلنا: هذا ليس بجيد، بل الأمر عام، فمتى ما حكَمَ الذوق السليم والطبع الصحيح أن الكلمة متنافرة الحروف، سواء كان لتقارب مخارجها أم تباعدها، أم لغير ذلك، نقول: حُكمَ بتنافر الحروف، ولا يختصّ بنوعٍ واحدٍ من هذه الأمور الثلاثة.