غرابةٍ: هو المراد به أن تكون الكلمة وحشية، يعني: غير ظاهرة المعنى. إما أنها تحتاج إلى أن يُنقَّر عنها في كتب أهل اللغة المبسوطات مثل ماذا؟"ما لكم تَكأْكَأْتُم علي تكَأكُؤَكُم على ذي جِنّة افرَنقِعُوا عني"، هذه تحتاج إلى بحث،"تَكأكَأتُم"،"افرنقُعوا"، هذه تحتاج إلى أن يُبحث عنها في كتب اللغة.
ومنها ما هو دون ذلك بحيث تحتملُ الكلمة وجهًا بعيدًا ولا يدري السامع أو القارئ ماذا يريد هذا الشاعر أو غيره. مثل ماذا؟ مُسَرّجًا وفاحمًا ومرسِنًا: مسرجًا: هذا يحتمل وجوه: هل هو من السراج نسبة إلى السيف السريجي، نسبةً إلى سُريج وهو حداد. هل"فاحمًا ومرسنًا"، فاحمًا: الشعر الأسود، ومرسنًا: الذي هو الأنف، شبّهَ الأنف بالشيء المسرَّج، ما المراد بالمسرَّج؟ اختلف فيه الشرّاح، هل هو منسوبٌ إلى السيوف السريجية؟ نسبةً إلى سُريج اسم لحداد؛ يعني: شبّهَ الأنف بالسيف السريجي في الاستواء والدقة، وهذا محلُّ جمالٍ عند العرب، أو شبّهَ الأنفَ بالسراج، يعني: في الوضاءة والإيقاد. يحتمل هذا ويحتمل هذا.
الذي أدّى إلى وقوعِ هذا الاحتمال كونُ اللفظ مُحتمِلًا؛ لأنه من باب فَعّلَ، أو ليس كون اللفظ محتمِلًا من حيث أصله، وإنما أتى به على باب فَعّلَ، وبابُ فَعّلَ يدلُّ على نسبة الشيء إلى أصله دون مراعاة المشابهة، وهو قد لاحظَ المشابهة، لذلك اختلفَ فهمُ هذا الشطر.
خُلْفٍ: يعني المراد به المخالفة؛ مخالفة القياس، مثل ماذا؟
الحمد لله العلي الأجلَلِ، أجلَلِ: هذا خالف قاعدة؛ لأن الأصل أن يقول: الأجلّ، اجتمع مِثلان الثاني متحرك والأول ساكن وجبَ الإدغام. هذا في لغة العرب، فما كان غالبًا في لغة العرب يجبُ التزامُه، ففكُّ المدغَم، أو إدغام المُفَكّ هذا نقول: مخالف للقياس، والمراد هنا القياس، هل هو القياس النحوي، أم التصريفي؟ التصريفي. لم؟ لأنه يتعلّق بالمفرد، وأما القياس النحوي فهذا يتعلق بالمركبات.
خُلْفٍ زُكِنْ: زُكِنْ بمعنى عُلم.
ثم انتقل إلى بيان النوع الثاني: وهو الفصاحة في الكلام، قال:
وفي الكَلامِ مِنْ تَنافُرِ الكَلِمْ ... وضَعْفِ تأليفٍ وتَعقِيدٍ سَلِمْ
وفي الكلام: هذا جار ومجرور، من تنافر الكلم: جار ومجرور، وضعف تأليفٍ: مجرور معطوف على تنافر، وتعقيد: مجرور معطوف على تنافر. سلمَ، إذن: البيت كله مجرورات، والمجرورات كلها عندهم من الفضلات، لذلك يُؤخَّر، يقال: باب المرفوعات، ثم باب المنصوبات، ثم باب المجرورات، لماذا الترتيب هذا عبث، أم أنه مقصود؟ مقصود، يُقدم المرفوعات؛ لأن منها العُمَدّ .. لأن منها وليست كلها، لأن منها العُمَدّ، وهو المبتدأ والخبر والفاعل أو نائبه.
ثم المنصوبات، لماذا؟ لأن عاملها قد يكون فعلًا، والأصل في العمل للأفعال. فما كان عاملُهُ الفعل الذي هو الأصل أولى بالتقديم، ثم المجرورات لكونها فضلة، وعاملُها إما اسمٌ وهو المضاف على الصحيح، وإما حرف جر.
وهنا قد حصلت الفائدة بهذا البيت، الفائدة التامة، ولا تكون الفائدة التامة إلا بوجود رُكنيّ الإسناد: كلامنا لفظٌ مفيد، لا بد من ركني الإسناد فعل وفاعل أو نائبه مبتدأ وخبر، لا بد.