بل تطلق في استعمال اسم المُشَبَّه به، وهو الكامل في وجه الشبه، كلفظ (أسدٍ) مثلًا، في المُشَبَّه، وهو: الملحق به في ذلك كـ: (الرجل الشجاع) فعلى هذا تكون الاستعارة بمعنى المصدر، وإذا أطلقت الاستعارة على اللفظ صارت علمًا .. اسمًا جامدًا، والثاني: تكون على الاستعمال الذي هو إطلاق اسم المُشَبَّه به على المُشَبَّه، صارت معنىً مصدريًا، وعليه حينئذٍ لا يُشتق من الأولى التي هي لفظ (استعارة) إذا أطلقت وأريد بها اللفظ، لأنها جامد، والجامد ليس محلًا للاشتقاق، وعلى الثاني صَحَّ الاشتقاق، هذا الذي ينبني عليه فقط.
فعلى هذا تكون الاستعارة بمعنى المصدر، يعني: إذا استُعمِلَت في فعل المُتَكلِّم وهو الاستعمال، وهذا الإطلاق تَوسُّع، يعني: ليس هو اصطلاحًا، لأن المجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة الاستعمال، وهذا ليس خاصًَّا بالاستعارة، بل كثيرًا ما يُطلق المجاز أيضًا على استعمال اللفظ في غير موضوعه.
وعلى الأول: هي الكلمة، يعني: إذا أريد بالاستعارة اللفظ صارت الكلمة، فلا يشتق منها لكونها حينئذٍ اسْمًا للفظٍ جامدٍ لا للحدث، وهذا واضح بَيِّن، مثل (زيد) وهو اسمٌ جامد لا يُشتق منه لكونه جامدًا ولا يَدلُّ على حدثٍ.
وعلى الثاني: هي استعمالها، يعني: لفظ (استعارة) استعماله، فَلُوحِظ فيه المعنى المصدري، فيصح حينئذٍ الاشتقاق من الثاني، لكونها بمعنى المصدر، فيُقال: مستعير، ومستعارٌ منه، ومستعارٌ له، فإذا وجدت هذا الاستعمال عند المفسرين وهو كثير حينئذٍ تَعْلَم أنه أراد الاستعارة بالمعنى المصدري، وليست الاستعارة بالمعنى الاصطلاحي، الذي هو إطلاق اللفظ على لفظٍ، لأن اللفظ قد يكون مسماه لفظٌ آخر، كالكلمة مثلًا: مُسمَّاه لفظٌ، وليس معنىً.
حينئذٍ نقول: هذا المعنى الذي أراده هنا هو المعنى المصدري، وليس هو المعنى الاصطلاحي الذي عناه البيانيون بهذا الباب.
إذًا: فيُسمَّى المُشَبَّه به: مستعارًا منه، والمُشَبَّه: مستعارًا له، واللفظ: مُستعارًا، والشخص نفسه يُسمَّى: مستعيرًا، هذا بالمعنى المصدري.
ثُمَّ المجازات المرسلة وهي التي تكون علاقتها غير المشابهة، هذه تتنوع، يعني: العلاقات تتنوع إلى أنواع، ذكر منها الناظم هنا:
.. . . . . . . . . . . . . . . . . ... جُزءٌ وكُلٌّ أَوْ مَحلٌّ آلَتُهْ
ظَرْفٌ وَمَظروفٌ مُسَبَّبٌ سَبَبْ ... وَصْفٌ لماضٍ أَوْ مآلٍ مُرْتَقَبْ
هذه كلها تُسمَّى: العلاقات التي هي ليست المشابهة، لأنه إذا قيل: المجاز المرسل، فيه إطلاق لفظٍ على لفظٍ ليست هي المشابهة، يَرِد السؤال مثل ماذا؟ نقول: مثل إطلاق الجزء مرادًا به الكل، أو إطلاق الكل مُرادًا به الجزء، أو إطلاق المحل مُرادًا به الحال، أو إطلاق الحال مُرادًا به المحل، أو إطلاق الشيء مُرادًا به الآلة .. النتيجة .. السبب، إلى آخره.
هذه تُسمَّى: علاقات بين المعنى المجازي الثاني والمعنى الحقيقي، فإذا قيل: لماذا نَقلْتَ هذا اللفظ من الدلالة على المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي؟ تقول: لعلاقة كذا الجزئية أو الكلية ونحو ذلك.