حينئذٍ كونه مُدَّعى شيء، وكونه استعمالًا لغويًا شيءٌ آخر، فنرجع إلى اللغة من حيث الإطلاق في الحقيقة والمجاز، وأمَّا الادِّعاءات والتَّنْزِيلات والتقديرات فهذه لا تقضي على اللغة البَتَّة، فيبقى على الأصل وهو أنه حقيقةٌ لغوية إذا استعمل في الحيوان المخصوص، ومجازٌ لغوي إذا استعمل في الرجل الشجاع.
وبيان ذلك: أنَّ ادِّعاء دخول المُشَبَّه في جنس المُشَبَّه به مبنيٌ على أنه جعل أفراد الأسد بطريق التأويل قسمين:
أحدهما: المتَعارَف، وهو الذي له غاية الجراءة في مثل تلك الجُثَّة المخصوصة والحيوان المفترس.
والثاني: غير المتعارف، وهو الذي له تلك الجراءة لا في تلك الجُثَّة والهيكل المخصوص.
يعني: النظر إلى الشجاعة، فهي موجودة في فردين: إمَّا في جثةٍ مخصوصة وهو إطلاق اللفظ عليها أصالةً، وإمَّا في غير جثةٍ مخصوصة وهو الحيوان المفترس، ولفظ الأسد إنما هو موضوعٌ للمتَعارَف، هذا الذي اتفق عليه أهل اللغة، فاستعماله في غير المتعارف استعمالٌ في غير ما وضع له.
والقرينة مانعةٌ عن إرادة المعنى المتعارف لتعيين غير المتعارف بها يعني بالقرينة.
ثُمَّ قال - رحمه الله تعالى:
وَهْيَ مجازٌ لُغَةً عَلَى الأصَحْ ... وَمُنِعَتْ فِي عَلَمٍ لِما اتّضَحْ
يعني: (مُنِعَتْ) الضمير هنا يعود إلى الاستعارة، (فِي عَلَمٍ) والعَلَم هو: اسْمٌ يُعيِّنُ المُسمَّى مُطلَقًَا. (لِما اتّضَحْ) يعني: لِمَا ظهر مما سبق من أنها تقتضي إدخال المُشَبَّه في جنس المُشَبَّه به، وهنا العلم الشخصي على جهة الخصوص لا يُمكن هذا الادعاء، فإذا كان عَلَم الشخص معرفة لمعيَّن .. (زيد) أطلق على الذات المخصوصة، حينئذٍ لا يُمكن أن يُدَّعى أنَّ غيره من الأفراد داخلٌ تحته، هذا ممتنع، فإذا كان كذلك حينئذٍ الأعلام الشخصية تمنع فيها الاستعارة.
(لِمَا اتّضَحْ) يعني: مَمَّا سبق من أنها تقتضي إدخال المُشَبَّه في جنس المُشَبَّه به، بجعل أفراده قسمين متَعارَفًا وغير متَعارَف، ولا يُمكن ذلك في العَلَم لمنافاته الجنسية، لأنه يقتضي التَّشَخُّص .. التعيين، والجنسية قدرٌ مشترك لا يلاحظ فيه الأفراد، هذا عَلَم الجنس: ما لُوحِظَ فيه القدر المشترك بقطع النظر عن الأفراد، هذا عَلَم الجنس، ولذلك علم الجنس يصح فيه الاستعارة.
ووضع الاشتراك والجنسية يقتضيان العموم وتناول الأفراد، فإن تَضمَّن العَلَم نوع وصفٍ بواسطة اشتهاره، يعني: اشتهار مدلوله وهو الذَّات، بوصفٍ من الأوصاف، وهو ما يكون مدلوله مشهورًا بوصفٍ، بحيث متى أُطلق هذا اللفظ استُحضر ولُوحظ ذلك الوصف، كـ: (حاتم) مثلًا، إذا أطلق انصرف إلى المعنى وهو الجود مثلًا .. كونه الكرم والجود.
فإن تَضمَّن العَلَم نوع وصفٍ بواسطة اشتهاره بوصفٍ من الأوصاف كـ: (حاتم) المُتَضمِّن للاتصاف بالجود، و (مَادِر) للبخيل، و (عنترة) للشجاعة، و (سَحْبَان) للفصاحة، حينئذٍ تأتي الاستعارة في العَلَم، لأنه يَجوز أن يُشبَّه الشخص بـ: (حاتِم) في الجود، ويُتأوَّل في (حاتِم) على ما سبق، قد يُراد به المتعارف وغير المتعارف، حينئذٍ نَسحَب اللفظ على غير المتعارف فيكون استعمال للفظ في غير ما وضع له.