ويُتأوَّل في (حاتِمٍ) فيجعل كأنه موضوعٌ للجواد، سواءٌ كان ذلك الرجل المعهود أو غيره، فهذا التأويل يتناول (حاتِمًا) الفرد المُتَعَارَف المعهود، والفرد الغير المُتَعَارَف، ويكون إطلاقه على المعهود، يعني: حاتِمٍ الطائي حقيقةً، وعلى غيره مِمَّن يَتَّصِف بالجود استعارة، نحو: رأيت اليوم حاتِمًا، أي: جوادًا.
وهذا التعليل وإن اشتهر عند كثير من البيانيين إلا أن السُّبْكِي لم يرتضِ ذلك، ولذلك قال السُّبْكِي في (عروس الأفراح) :"ولا حاجة للاشتراط المذكور: أنَّ الاستعارة من العَلَم، إن فُعِلَت فإنها تُفْعَل بعد تنكيره"، بِمعنى: أنَّه لا يُتَصوَّر استعارة في عَلَمٍ ولو قُصِدَ فيه الوصف، لأنه يُنَكَّر أولًا، ثُمَّ بعد ذلك تأتي الاستعارة، إن فُعِلَت فإنها تُفْعَل بعد تنكيره، وتنكيره قد يكون تقديرًا كقول أبي سفيان: لا قريش بعد اليوم، هنا نكرة، (قريش) جاء اسم لا، اسم لا خاصٌ بالنكرات وهذا منه، فالاستعارة حينئذٍ لم تُلاقِ العَلَمية، فكيف يُقال: استعارة دخلت العلمية؟ حتى لو قيل: حاتم ونحوه، نقول: الاستعارة هنا إنما كانت بعد قصد تنكيره فنُكِّرَ أولًا، ثُمَّ بعد ذلك جاءت الاستعارة. فحينئذٍ لم تلاق العَلَمية بل لاقت النكرة، وتُسمَّى هذه الاستعارة: تبعية، وقيل: إنها تَتحمَّل الضمير، على أنَّ التعليل الذي ذكروه لامتناعها في العلم، إنما يستدعي أحد نوعي المدَّعى، وهو عَلَم الشخص دون عَلَم الجنس.
وهو العَلَم الشخصي، وأمَّا العَلَم الجنسي فلا يقتضي امتناع التَّجوَّز فيه إلى غيره، فيقال: رأيت أسامة، لأنه لم يوضع لِمُشَخَّص، وإنما لقدرٍ مشترك في الذهن بقطع النظر عن الأفراد الخارجة، فـ: رأيت أسامة، بِمعنى: زيدٍ الشجاع، فالظاهر أن ذلك جائزٌ، لأنه قد تَقرَّر أنَّ أعلام الجنس كلية، وما تَقرَّر من أنَّ الأعلام جزئية فمحمولٌ على الشخصية منها.
إذًا قولهم: (وَمُنِعَتْ فِي عَلَمٍ) نقول: أطلقوا، والصحيح أنَّه يُحمَل على عَلَم الشَّخْص، ثُمَّ العَلَم الذي هو عَلَم الجنس، نقول: هذا تتأتى فيه الاستعارة، لأنه ليس موضوعًا لِمشَخَّص، فإطلاقهم كون الاستعارة لا تتأتى في الأعلام إطلاقٌ يحتاج إلى تقييد.
ثُمَّ جاءوا في العَلَم الشَّخْصِي فقالوا: إنْ تَضمَّن نوع وصفٍ جازت الاستعارة، نقول: هذا مستدركٌ أنَّه لا تتأتى الاستعارة في عَلَم الشخص الذي تَضمَّن وصفًا إلا بعد تنكيره، وحينئذٍ ليس عندنا عَلَم شَخْصِي تتأتى فيه الاستعارة.
ولو كانت العِلَّة في امتناع الاستعارة في الأعلام ما ذُكِر لجاز التَّجوَّز في الأعلام بالمجاز المرسل لعدم استدعاءه التشبيه المقتضي لإدخال المُشَبَّه في جنس المُشَبَّه به، ليس موجودًا في المجاز المرسل، وذلك لا يجوز، فلا يجوز أن تقول: جاء زيدٌ، تريد رأسه.