والجامع بينهما عدم ظهور الفعل، لأنه كما لا يظهر من النائم فعلٌ، المراد النائم لا يظهر منه فعلٌ الفعل الاختياري، ليس المراد مطلق الفعل؛ لأنَّه قد يمشي ويذهب ويضرب ويشرب ويأكل، قد يفعله النائم لكن لا يُسمَّى فعلًا له لأنه ليس باختياره، فحينئذٍ نقول: لأنه كما لا يظهر من النائم فعلٌ لا يظهر من الميت كذلك فعلٌ، وحينئذٍ الجامع هنا عقليٌ، والكل عقليٌ.
خامسها: أن يكون المستعار منه حِسيًَّا، والمستعار له عقليًَّا، كذلك لا يكون الجامع إلا عقليًَّا، مثاله قوله تعالى: (( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ) ) [الحجر:94] فإنَّ المستعار منه الكسر، يعني: مثل كسر الزُّجَاج ونحوه (فَاصْدَعْ) كأنه قال: اكسر، فإن المستعار منه الكسر وهو حسي، وهذا باعتبار مُتعلَّقه ككسر الزُّجَاجة مثلًا ونحوها مِمَّا لا يلتئم بعد الكسر، والمستعار له التبليغ (( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ) ) [الحجر:94] والمعنى: (فَاصْدَعْ) أي: أبِنْ الأمر إبَانةً لا تَنْمَحِي كما لا يلتئم كسر الزجاجة، (فَاصْدَعْ) هنا فيه استعارة بالفعل.
حينئذٍ (( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ) ) [الحجر:94] كأنه قال: بَلِّغ بلاغًا لا ينتهي أو لا يلتحم كما أنَّ الزُّجَاج إذا انكسر لا يلتئم.
(( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ) ) [الحجر:94] إذًا: المستعار منه الكسر وهو حسي، والمستعار له التبليغ، والجامع: التاثير، يعني: كلٌ منهما يؤثر تأثيرًا مبنيًا على الفعل نفسه: الكسر والتبليغ. والجامع التأثير وهما عقليان، يعني: المستعار له الذي هو التبليغ عقلي، والجامع التأثير وهما عقليَّان.
سادسها: عكسه: أن يكون المستعار منه عقليًّا والمستعار له حِسيًَّا، كذلك الجامع لا يكون إلا عقليًَّا، مثاله قوله تعالى: (( إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ ) ) [الحاقة:11] (طَغَى) ؛ فإنَّ المستعار له كثرة الماء وهو حسي .. الماء يُدرك بالحس فهو حسي، لأن الكثرة وجود أجزاء كثيرة للماء، والوجود للأجرام حسي باعتبار ذاتها. فإن المستعار له كثرة الماء وهو حسي، والمستعار منه التَّكبُّر يعني: عَدُّ نفسه كبيرًا وهذا عقلي، والجامع الاستعلاء المُفْرِط وهما عقليَّان، ما هو وهما عقليَّان؟ يعني: التَّكبُّر عقلي وهذا واضح، وكذلك الجامع، فلأنه بمعنى طلب العلو، وهو اعتباريٌ في الماء، لأنه يُدرَك بالعقل.
إذًا: هذه ستة أقسام باعتبار الجامع والطرفين، ولذلك قال:
وباعتبارِ جامِعٍ وطَرَفَيْنْ ... عَقْلًا وحِسًّا سِتَّةٌ بِغَيْرِ مَيْنْ
يعني: بغير كذبٍ، وهي ستةٌ، يعني: ستة أقسام، التنوين عوضٌ عن المضاف إليه، وذلك حالة كونه باعتبار ثلاثة أمور: الجامع مع الطَّرفين، والتقسيم هنا إلى ستة باعتبار العقل والحس .. (عَقْلًا وحِسًّا) ، وهذا (بِغَيْرِ مَيْنْ) يعني: بغير كذب.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!