إذًا: المراد هنا الحاصل بالمصدر وهو الانسلاخ والانكشاف وهما حِسيَّان. لِمَا عَلِمْتَه من أن المراد بِالحسِّ عندهم ما يُدرَك بإحدى الحواس الخمس، والجامع عقلي -هنا بين الأمرين-، لأنه هنا ما يُعقل من ترتب ظهور اللحم على الكَشْط، كَشْط .. يَكْشِط، ثُمَّ ما الذي يتَرتَب على الانسلاخ؟ ظهور اللحم، والترتب هذا أمرٌ عقلي.
إذًا: ما يُعقل عن ترتب ظهور اللحم على الكشط، أي: كشط الجلد، أي: إزالته عن اللحم، وترتب ظهور الظلمة على كشف الضوء، يعني: ضوء النهار عن الليل، والترتب أمر عقلي، كل جامع جُعِل فيه ترتيب أمرٍ على آخر، والجامع هو الترتب أو الترتيب فهو شيءٌ عقلي، لأنه أمرٌ عقلي .. تَصرُّف عقلي.
وبيان ذلك قال المرشدي:"أنَّ الظُّلمة هي الأصل والنور طارئٌ عليها يسترها بضوئه، فإذا غَرَبت الشمس فقد سُلِخ النهار من الليل، أي: كُشِط وأزيل كما يُكْشَف الشيء عن الشيء الطارئ عليه الساتر له ويُزال عنه، فجعل ظُهور الظُّلمة بعد ذهاب ضوء النهار بِمنزلة ظهور المسلوخ بعد سلخ الجلد عنه".
فلهذا صَحَّ قوله: (( فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ ) ) [يس:37] أليس كذلك؟! (( وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ ) ) [يس:37] حينئذٍ لَمَّا سُلِخ النهار عن الليل جاءت الظُّلمة، فكما أنَّ السلخ يكشف اللحم فيظهره، كذلك انسلاخ النهار من الليل يظهر الظُّلمة، هذا وجه الشَّبَه بينهما.
ولذلك صَحَّ: (( فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ ) ) [يس:37] لأن الواقع بعد إذهاب الضوء عن الليل هو الإظلام.
ثالثها: أن يكون الطَّرفان حسيين، والجامع بينهما مختلف، يعني: بعضه حسي وبعضه عقلي، مثاله كقولك: رأيت شَمسًا، وتريد امرأة مثلًا أو إنسانًا .. كالشمس في حُسن الطَّلعة ونباهة الشأن، حسن الطَّلعة، يعني: جمال الوجه، ونباهة الشأن، يعني: الرِّفْعة، إذًا: وجه الشَّبَه هنا أو الجامع مركبٌ بين شيئين: حسن الطَّلعة وهذا يُدرَك بالبصر، ورفعة الشأن، ورفعة القدر وهذا يدرك بالعقل.
إذًا: وجه الشَّبَه مُركبٌ من شيئين بعضه حسي وبعضه عقلي، فالطَّرفان وهما الكوكب النهاري .. الشمس، والإنسان المستعار له المشابه له حِسيَّان، والجامع بعضه حِسي وهو حُسن الطَّلعة يعني: الوجه، وبعضه عقلي وهو نباهة الشأن ورفعته.
رابعها: أن يكون الطَّرفان عقليين، والجامع لا يكون إلا عقليًَّا، مثاله قوله تعالى: (( مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ) ) [يس:52] فإنَّ المستعار منه هو الرُّقَاد، أي: النوم، على أن يكون المرقد مصدرًا وتكون الاستعارة أصلية، يعني: فيه خلاف، فإن المستعار منه وهو الرُّقَاد أي: النوم، والمستعار له هو الموت، وكلاهما حِسيَّان، النوم شيءٌ حِسي، أو معنوي عقلي؟ عَقلي، وكذلك الموت شيءٌ عقلي -وهذا قلنا: فيه شيءٌ من النَّظر-.