فهرس الكتاب

الصفحة 602 من 828

ومن احتمال الاستعارة بأنفسها بِمعزِل، يعني: لو أردنا الاستعارة بذات الفعل أو بذات الحرف بِمعزل، بِمعنى: أنَّه لا يُمكن أن تأتي الاستعارة منها البتَّة، وإنما لا بُدَّ من النَّظر إلى أصولها، وهي المصادر في الأفعال والمشتقات، والمتَعلَّقات في الحروف، ولذلك سُمِّيت تَبعيَّة، لماذا؟ لأنها تابعة، بِمعنى: أنها مُتضمِّنة للأصلية، فإذا جاء الفعل وسائر المشتقات حينئذٍ لا نستعير اللفظ من الفعل مباشرةً، وإنما نستعيره من مصدر الفعل، رددناها إلى الاسم الجامد.

وكذلك المشتق الوصف إذا جاءت الاستعارة لا نباشر الاستعارة باللفظ الوصف، وإنما ننظر إلى مصدره، فحينئذٍ صارت تابعةً للأصلية، وهذا هو السبب فيها، يعني: لماذا سُمِّيت تَبعيَّة؟ ومن احتمال الاستعارة بأنفسها بِمعزل وإنما المحتمل لها في الأفعال والصِّفَات مصادرها، يعني: لفظ الفعل بِمعزل عن الاستعارة، نقول: حالته تنطق بكذا، هنا سيأتي هذا المثال المشهور عندهم، أو الحال .. حاله ينطق بكذا، أو: تنطق بكذا.

نقول (ينطق) هذا استعارة تَبعيَّة، لكن لم تَجرِ في الفعل بذاته، نأتي بالفعل (ينطق) مباشرةً وجعلناه استعارة، استعملناه في غير ما وضع له لمشابُهةٍ، لا، وإنما جئنا إلى النُّطق الذي هو المصدر، فأجرينا الاستعارة في المصادر، ثُمَّ بعد ذلك اشتققنا من المصدر بعد الاستعارة الأصلية (ينطق وتنطق) فصارت استعارة تَبعيَّة، إذًا: الفعل نفسه بِمعزلٍ عن الاستعارة، وكذلك المشتقات بِمعزلٍ، يعني: بلفظها، مثل: الحال ناطقةٌ بكذا، (نَاطقةٌ) استعارة تَبعيَّة، هل يُمكن (ناطقة) نأتي بها مباشرةً ونجعله استعارة؟ لا، وإنما نتأوَّل أولًا .. نُقدِّر أن الاستعارة جرت في النطق الذي هو المصدر .. مصدر ناطقة.

ثُمَّ لَمَّا جرت في النطق الذي هو مصدر اشتققنا من هذا النوع (ناطقة) ، إذًا: هي داخلة فيما سبق، كأنه يقول: يُمكن الاشتقاق من الجوامد، ومن الأفعال، ومن المشتقات، لكن من الجوامد مباشرةً، ومن الأفعال والصفات بواسطةٍ، وهو النَّظر في مصادر الأفعال والمشتقات.

وإنما المُحتمِل لها -يعني: الاستعارة التَبعيَّة- في الأفعال والصفات مصادرها، وفي الحروف مُتعلَّقات معانيها، الحروف هل هي مَحلٌّ للمجاز أو لا؟ فيه نزاع، لكن المشهور هنا أنها تَجري في الحروف كذلك. وفي الحروف مُتعلَّقات معانيها، فتقع الاستعارة أولًا في المصادر والمتعلَّقات، ثُمَّ تسري في الصفات والأفعال والحروف.

أولًا: في المصادر والمتعلَّقَات، ثُمَّ تسري في الصفات والأفعال والحروف، وإنما سُمِّيت الأولى أصلية والثانية تَبعيَّة، لأن الاستعارة تعتمد التَّشْبِيه إذ هي مبنية عليه، لا استعارة إلا بتشبيه، حينئذٍ في النوعين وجِد التَّشْبِيه، والتَّشْبِيه يقتضي كون المُشبَّه موصوفًا بوجه الشَّبَه، أي: كونه مُشاركًا للمُشبَّه به في وجه الشَّبَه، وإنما يصلح للموصوفيَّة الحقائقُ المُتقرِّرة، أي: الأمور الثابتة كقولك: جسمٌ أبيض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت