فهرس الكتاب

الصفحة 603 من 828

الذي يوصف بالمعاني هو الأجسام، وعلى ما اشتهر: أنَّ المعاني لا توصف بالمعاني، لأن العَرَض لا يقوم بِعَرَضٍ، وهذا مَحلُّ نزاعٍ، وإن كان قد يُوصف العَرَض بِعرَض، لكن المشهور عند المناطقة وتبعهم كثير من البانيين: أن العَرَض لا يقوم بِعَرضٍ، بِمعنى: أنَّه لا توصف إلا الحقائق الثابتة، وهي التي يصلح أن يَجري فيها التَّشْبِيه، لأن الشيء الثابت المستقر هو الذي يَصِح أن تُشبِّه زيدًا به مثلًا، أمَّا الذي يزول ويأتي، أو يأتي أحيانًا ويزول في أوقات كثيرة، هذا ما يصلح به التَّشْبِيه.

إذًا: والتَّشْبِيه يقتضي كون المُشبَّه موصوفًا بوجه الشَّبَه، أي: كونه مُشاركًا للمُشبَّه به في وجه الشَّبَه، لا بُدَّ من اشتراك: زيد كالأسد، ما وجه الشَّبه؟ الشجاعة مثلًا، حينئذٍ نقول: الاستعارة مبنية على التَّشْبِيه، والتَّشْبِيه يقتضي أن يكون المُشبَّه موصوفًا بوجه الشَّبَه، بِمعنى: أنهما قد اشتركا في الشجاعة هذا أولًا، وإنما يصلح للموصوفيَّة الحقائق المتقرِّرة، أي: الأمور الثابتة كقولك: جسمٌ أبيض، وبياض ناصع، دون معاني الأفعال والصِّفات المشتقة، لأنها متجددة، والمتجدد في الأصل أنه لا يُشبَّه به، وإنما يُشبَّه بالشيء المستقر الثابت.

إذًا: المعاني التي تَضمَّنتها الأفعال والصفات المشتقات غير ثابتة، بل هي متجددة، والتَّشْبِيه يقتضي أن يُلحق بوصفٍ ثابتٍ، حينئذٍ لا يتأتى التَّشْبِيه في الأفعال، ولا في المشتقات، ولا في الحروف.

دون معاني الأفعال والصفات المشتقة لكونها متجددةً غير متقررة، بواسطة دخول الزمان في مفهوم الأفعال وضعًا، وعروضه للصِّفات استعمالًا، كأنَّه ردَّه إلى دخول الزمن، بِمعنى: أنَّ قام ويقوم، قال: هذا لا يُمكن أن يُشبَّه به، لأنه دخله الزمن، وإذا كان الزمن حينئذٍ عُلِّق الوصف بزمنٍ ما، إذًا: لا يكون مُستقرًا، قام زيدٌ، في الزمن الماضي، إذًا: هو منقطع الآن، يقوم زيدٌ، إذًا: لم يكن ثُمَّ كان، أو سيكون في المستقبل.

إذًا: هذه المعاني القيام في (قام ويقوم) غير مستقرة لِتعلُّقها بالزمن، فلمَّا عُلِّقَت بِزمنٍ، والزمن قد لا يكون ثُمَّ يكون، أو كان في السابق ثُمَّ لا يكون الآن، حينئذٍ صار الوصف مرتبطًا بزمنٍ مُتغيِّر وحينئذٍ ليست بثابتة ولا مُستقرة، فهذا دخول الزمن في الفعل وضعًا .. في أصل الوضع، وأمَّا في الصفات فالزمن داخلٌ من حيث الاستعمال: فـ (ضاربٌ) يدلُّ على زمن، يعني: الآن و (مضروب) يدلُّ على زمن يعني: الآن.

حينئذٍ استعمالًا .. من جهة الاستعمال، لأنه لا بُدَّ من ذات ولا بُدَّ من حدث ولا بُدَّ من فاعلٍ إلى آخره، حينئذٍ نقول: من جهة الاستعمال دَلَّت المشتقات على الزمن لزومًا .. بدلالة الالتزام لا بدلالة الوضع، بخلاف الفعل فالفعل يدلُّ على الزمن وضعًا، والمشتقات تدل على الزمن بدلالة الالتزام، لأنه حدث (ضارب) ، لا بُدَّ من زمنٍ يقع فيه، و (ضارب) لا بُدَّ من فاعل ولا بُدَّ من مَحلٍ يقع عليه، إذًا: لا بُدَّ من زمن، فهو لازمٌ له كالمكان، إذ لا يكون الضَّرب والذَّات لا في زمن، كما أنَّه لا يكون لا في مكان، فلا بُدَّ من زمنٍ ولا بُدَّ من مكان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت