فهرس الكتاب

الصفحة 604 من 828

إذًا: الحاصل أنَّ المشتقات تدل على الزمن لكن بدلالة التزام، يعني: من جهة الاستعمال.

وأمَّا الموصوف في نحو: شجاع باسل .. رجلٌ شجاعٌ باسل، وجوادٌ فيَّاض، وعالمٌ نِحرير، فمحذوف أي: رجلٌ شجاعٌ باسل، وكذلك الحروف .. نظروا فيها من حيث الاستعارة التَبعيَّة، كذلك الحروف لأنها روابطُ وآلات، هذا المشهور عند البيانيين: أنَّ الحرف له مُتعلَّق يَتعلَّق به، وهذا المتعلَّق هو الذي أفاد المعنى في الحرف، وأمَّا الحرف لا يستقل بالمفهومية البتَّة، بِمعنى: أنًّه لا يدلُّ على معنىً في نفسه.

حينئذٍ كيف يُقال: بأنه لا يدلُّ على معنىً في نفسه، ونحن نقول: (من) للابتداء، و (في) للظرفية، و (كي) للتعليم، و (اللام) للملك .. إلى آخره؟ كيف تفيد هذه المعاني مع أنها لا تدلُّ على معنىً في نفسها؟ لو قيل: بأنها تدلُّ على معنىً في نفسها لكنَّه غير مستقل كالفعل والاسم لَمَا بَعُد، وقد قيل به، لكن هم يرون أن الحرف يدلُّ على معنىً في غيره باعتبار المتعلَّق، هذا الذي يُقال فيه إنه للابتداء، هذا مُتعلَّق (من) ، وكذلك الظرفية هو مُتعلَّق (في) ، والتعليل مُتعلَّق (اللام) .. وهكذا.

حينئذٍ أفادت هذه الحروف معاني باعتبار النظر إلى متعلقاتها، هذا المذكور عند البيانيين، وفيه بحثٌ كما قال المرشدي، فقال:"والتحقيق أن يُقال: إنَّ الاستعارة في الأفعال وجميع المشتقات التي يكون القصد بها إلى المعاني القائمة بالذَّات تَبعيَّة، وهذا واضحٌ لأن المصدر الدَّال على المعنى القائم بالذَّات هو المقصود الأهم الجدير بأن يُعتبَر فيه التَّشْبِيه"التَّشْبِيه إنما هو قائمٌ على المصادر، لماذا؟ لأنه مُعيَّن، والذَّات مبهمة.

لو قيل: قام، (قام) يستلزم فاعلًا، (قام) دلَّ على القيام، المصدر المعنى القائم بالنفس، هل هو مُعيَّن أو مُبهم؟ القيام مُعيَّن، لمْ نَقُل: (فَعْلٌ) مصدر فَعْلْ، (فَعْل) هذا مصدر لكنَّه غير مُعيَّن، حينئذٍ نقول: قيامٌ، هذا مُعيَّن، إذًا: (قام) دلَّ على مصدرٍ مُعيَّن، والذَّات؟ هو يستلزم الذَّات التي هي مَحلٌّ للقيام، والتي هي أحدثت القيام، حينئذٍ نقول: دلالة قام على الذَّات الفاعل دلالة لزومية، ودلالة (قام) على قيام دلالة وضعية، وأيهما المُعيَّن وأيهما المبهم؟ المصدر مُعيَّن، والذَّات مبهمة، من الذي أحدث القيام؟ لم يُذْكَر.

كذلك (قائم) الوصف، نقول: (قائمٌ) دلَّ على مصدرٍ مُعيَّن، ودلَّ على ذات مبهمة، إذًا: أيُّ النوعين أولى بالاعتبار: المُعيَّن أو المبهم؟ المُعيَّن، إذًا: صار المصدر هو المقصود بالأصالة، ولذلك قال: لأن المصدر الدَّال على المعنى القائم بالذَّات هو المقصود، لأنه الأهم الجدير بأن يعتبر فيه التَّشْبِيه، لأنه مُعيَّن والذَّات مبهمة، وإلا لذُكرت الألفاظ الدَّالة على أنْفُس الذَّوات دون ما يقوم مَقامَها من الصفات، فيقال: ذاتٌ لها علمٌ، وذاتٌ لها قيامٌ، لكن لم يقل العرب هذا .. لم يأتوا بالذَّات مع الدَّلالة على المعنى المتَّصِفَة به، وإنما قالوا: (قائم) ، قالوا: (عالم) ، قالوا: (نحرير) ونحو ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت