فهرس الكتاب

الصفحة 605 من 828

وذكر السيوطي في وجه التَّسمية: أنَّ الاستعارة مبناها على التَّشْبِيه وهو وصفٌ، والأصل فيما يوصف الحقائق والذَّوات دون المعاني .. معاني الأفعال والصفات، ودون الحروف، فإذا وقعت فيها - يعني: الاستعارة- فالتَّشْبِيه في الأفعال والصفات بمعنى المصدر، يعني: الخلاف في التعليل فقط، اتفقوا على أن الاستعارة التَبعيَّة واقعة في الأفعال وفي الحروف، الكلام المذكور الآن: أنهم اتفقوا على وجود الاستعارة التَبعيَّة في الأفعال والصِّفات والحروف، لكن هل هي في ذواتها أم على تقدير مصادرها ومُتعلَّقات الحروف؟ الثاني هو المشهور عند البيانيين.

فالتَّشْبِيه في الأفعال والصفات بمعنى المصدر، وفي معاني الحروف بِمتعلَّق معناها، قال السَّكَّاكِي:"والمراد بِمتعلَّقات معاني الحروف ما يُعبَّر بها عنها عند تفسير معانيها، كقولنا: (مِن) معناها ابتداء الغاية، و (في) معناها الظرفية، وهكذا"هذا المراد بِمتعلَّق الحرف.

فنقول حينئذٍ إذا علم هذا: التَّشْبِيه الذي تبنى عليه الاستعارة إذا وقع في الفعل والوصف المشتق منه، كاسم الفاعل واسم المفعول يكون للأصل، إذا مَرَّ بك أو أردت أن تَحكي أنت، حينئذٍ إذا حَكَيْت استعارةً في فعلٍ ومشتقٍ، حينئذٍ في الإضمار .. في النفس النطق والتعبير إنما يكون بالفعل وبالمشتقات، وإنما يكون التقدير في النفس بأن أُجريت أولًا الاستعارة في المصدر، ثُمَّ اشتُق من المصدر فعلٌ ومشتقٌ.

فحينئذٍ هي في الباطن استعارة أصلية تَفرَّع عنها استعارة تَبعيَّة، ولا يقال بأنه مباشرةً ذُكِر الفعل وأُريد به التَّشْبِيه، فالتَّشْبِيه حينئذٍ يكون للأصل، أي: أصلها الذي هو المصدر أولًا، ثُمَّ تُجرِه فيهما بطريق التَبعيَّة، وسيأتي بيانه، فنحو قوله تعالى كما مَرَّ معنا: (( فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) ) [آل عمران:21] هذا مَرَّ معنا في التَّهكُّميَّة، وهي نوعٌ من أنواع العنادية، انظر! (فَبَشِّرْهُمْ) هذا فعل أمر، عندنا تبشير وعندنا إنذار، فَشبَّه الإنذار الذي هو مصدر المستعار له بالتبشير، (فَبَشِّرْهُمْ) كأنه قال: فأنذرهم، هذا الأصل: فأنذرهم بعذابٍ أليم، لكن شَبَّه الإنذار الذي هو مصدر المستعار له بالتبشير، الذي هو مصدر المستعار فيه، واستعير له اسمه تَهكُّمًا، لأنها عنادية تَهكُّميَّة، ثُمَّ اشتُق منه الفعل.

يعني: أولًا أُجرِيَت الاستعارة في المصادر: التبشير بالإنذار، ثُمَّ بعد ذلك اشتُق من التبشير (فَبَشِّرْهُمْ) ، فأولًا أُجرِيَت الاستعارة في المصدر، ثُمَّ أُجرِيَت في الفعل، فسرت الاستعارة إليه، يعني: إلى الفعل، وكذلك قوله: (( إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ) ) [هود:87] بدل: السَّفِيه الغويِّ، فإنَّه شَبَّه السَّفَه والغَيَّ بالحلْم والرُّشْد، واستعير لهما اسمهما، ثُمَّ اشتق منهما الوصف، هذا في الفعل والمشتق، وإذا وقع التَّشْبِيه لحرفٍ بِحرفٍ -وهذا مَحل إشكال- إذا وقع التَّشْبِيه بحرفٍ لِحرفٍ حينئذٍ يكون التَّشْبِيه بماذا؟ شَبَّهَت مُتعلَّق حرفٍ بِمتعلَّق حرفٍ آخر، يعني: مُتعلَّق الحرف المُشبَّه بِمتعلَّق الحرف المُشبَّه به، ثُمَّ عَبَّرت عن المعنى الثاني بالحرف الأول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت