إذًا: الأولى زيادتها لأنَّ التَّخييليَّة المذكورة في الفصل بعده بمعنى: إثبات لازمٍ للمشبَّه به للمشبَّه، وليست بهذا المعنى قسيمًا للتَّحقيقيَّة، بل قسيمها ما سيذكره فيما يأتي من المفهوم إن شاء الله تعالى.
قسَّم النَّاظم هنا الاستعارة إلى: تحقيقيَّة وتخيليَّة بناءً على مذهب السَّكَّاكي، فمراده بالعقليَّة: التَّخييليَّة بدليل المقابلة، لأنه قابل هذا بذاك، ولَمَّا قال: تحقيقيَّة وقال: عقليَّة، علمنا أنَّ المراد بالعقليَّة هو التَّحقيقيَّة، وأشار بقوله: (وَذَاَتُ مَعْنَىً) أي استعارةٌ ذات معنى، و (ذَاَتُ) مؤَنَّث ذو، بِمعنى أنها: بِمعنى صَّاحبة، أي: صاحبة معنى هو المستعار له، (وَذَاَتُ مَعْنَىً) يعني: صاحبة معنىً هو المستعار له، (ثَابِتٍ) هذا المعنى، (بِحِسٍّ) أي: في حسٍّ و (الباء) هنا بمعنى (في) .
ومعنى ثبوته في الحِس: إدراك الحسِّ إياه كما سَبَق بيانه في التَّشبيه أنَّ المراد بالحِسِّ: ما يُدْركُ بإحدى الحواس الخمس، ومعنى ثبوته في الحسِّ: إدراك الحسِّ إياه بأنَّ يكون المعنى الَّذي أُريد بالاستعارة وأُطْلِق لفظها على هذا المعنى أمرًا معلومًا يُمكن أن يُنَصَّ عليه ويشار إليه بإشارة حسيَّة، هذا المراد.
(أو عَقْلٍ) ، (أو) للتَّنويع، أي: (وَذَاَتُ مَعْنَىً ثَابِتٍ بِعَقْلٍ) أي: في عقلٍ، حينئذٍ تكون الباء بمعنى (في) كما في قوله: (بِحِسٍّ) ، ومعنى ثبوته في العقل: إدراك العقل إيَّاه، بأن يكون هذا المعنى الَّذي أُرِيد بالاستعارة وأُطلَق لفظها على هذا المعنى أمرًا معلومًا لا يُمكن أن يُنصَّ عليه ويشار إليه إشارة حسيَّة، وإنَّما يُدْرك من جهة العقل.
قال: (فَتَحْقيقِيَّةٌ) الفاء هذه فاء الفصيحة، أي: فالاستعارة تَحقيقيَّة، فالاستعارة حينئذٍ إن تَحقَّق معناها حِسًَّا أو عقلًا فهي تحقيقيَّة، مثال الحسِّ كقولهم: رَأَيْتُ أَسَدًَا يَرْمِي، لا شَكَّ أن معنى المستعار له هنا مُدْرَكٌ بالحس، ومثال العقل قوله تعالى: (( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ) [الفاتحة:6] بناءً على أنَّ الأصل في (الصِّرَاط) يطلق على الطريق الحسِّي .. بناءً على هذا، وإلا الأصل: أنَّه يعمُّ النَّوعين، لكن والشَّأن لاَ يُعترضُ المثال.
فقيل: الصِّرَاط، الأصل فيه أنَّه المراد به: الطريق الحسِّي، فأُطْلِق هنا على الإسلام أو على قواعد الإسلام، حينئذٍ صار فيه معنىً مُدركًا بالعقل، فإنَّ المستعار له قواعد الإسلام وهي مُحقَّقةٌ عَقلًا بمعنى: أنَّها تُدرك من جهة العقل ولا تُدرك من جهة الحس، وإن لم يتحقَّق معنى الاستعارة لا حَسًَّا ولا عقلًا بل كان أمرًا مُتوهَّمًا فالاستعارة تَخييليَّة كالأظْفَاَرِ فِي: أَنْشَبَت المَنِيَّةُ أَظْفَارَهَا، فـ (الأظْفَار) مستعارةٌ لأمرٍ مُتخيَّل، لأنَّ المنيَّة وهي الموت ليس لها أظفار فهو أمرٌ مُتخيَّل، فإثبات الأظفار للمنيَّة نقول: هذا أمرٌ مُتوهَّم، لأنَّ المنيَّة ليست لها أظفار وإنَّما الأظفار للمشبَّه به، أو المستعار منه وهو الحيوان المفترس.