(فصلٌ: في المكنيَّة)
والتخيليَّة كذلك، لأنَّه قال: (وَذِكْرُ لازِمٍ بِتَخْيِيليَّةِ) وذكر التَّخييليَّة هنا لا إشكال فيه، وإنَّما النَّظر والخلاف في ذكر التَّخييليَّة المقابلة للتَّحقيقيَّة.
(فصلٌ: في المكنيَّة والتخييليَّة)
عقده النَّاظم هنا لبيان كُلٍّ من النَّوعين: المكنيَّة والتَّخييليَّة، وهما عند صاحب الأصل الَّذي هو الخطيب .. القزويني .. صاحب (التَّلخِيصْ) .. وهما عند صاحب الأصل حقيقتان لُغَويتان غير داخلين في قسم المجاز، منفكَّةٌ عن المجاز، فالمكنيَّة عند الخطيب القزويني ليست مَجازًا، وكذلك التَّخييليَّة اللازمة للمكنيَّة ليست مَجازًا عند الخطيب القزويني، لأنَّهما لم يُسْتَعْملا في المشبَّه، فلذلك أورد لهما فصلًا على حدةٍ ليستوفي المعاني التي يُطْلَق عليها لفظ الاستعارة.
وهنا .. ثَمَّ ثلاثة مذاهب، اضْطَربت آراء البيانيِّين في تَّشخيص معنى كُلٍّ من المكنيَّة والتَّخييليَّة، ومَحصَّلها يرجع إلى ثلاثة مذاهب:
يقولون: المذهب الأوَّل مذهب السَّلف، فيعنون به المتقدِّمين كالسَّلفزز الصحابة.
وللأسف يجعلون من أبرز هؤلاء السَّلف الزَّمَخْشَرِي، ولكنَّ اللفظ لَمَّا كان مُوهمًا ما كان ينبغي أن يُطلق بهذا التَّعبير، وإن كان هو يعتبر إمام في فنِّه، في (البيان) يُعْتَبر مرجعًا عند البيانيِّين، ولذلك من العُمد الَّتي يعتمدون عليها كلام الزَّمَخْشَرِي في (الكَشَّاَفْ) ولأنَّه تطبيق لِعلم البيان، لكن عدُّه بهذا اللفظ، ولو كان من جهة اللفظ فيه إيهام، وما كان كذلك فالأولى التَّعبير بـ: المتقدِّمين، لكن المشهور إذا نُسِب مذهب السَّلف مرادهم هذا.
أحدها: مذهب السَّلف يعني المتقدمين.
والثَّاني: مذهب السَّكَّاكي.
والثَّالث: مذهب الخطيب صاحب (التَّلخيص) الَّذي هو أصل هذا النَّظم، ولم يَتَعرَّض النَّاظم للمذهبين الأوَّلين، وإنَّما اقتصر على بيان مذهب الخطيب فقال:
وَحَيْثُ تَشْبِيِهٌ بِنَفْسٍ أُضْمِرَا ... وَمَا سِوَى مُشَبَّهٍ لَمْ يُذْكَرَا
وَدَلَّ لاَزِمٌ لِمَا شُبِّهَ بِهْ ... فَذَلِكَ التَّشْبِيِهُ عِنْدَ المُنْتَبِهْ
يُعْرَفُ بِاسْتِعَاَرَةِ الكِنَايَةِ ... وَذِكْرُ لاَزِمٍ بِتَخْيِيلِيَّةِ
كَأَنْشَبَتْ مَنِيَّةٌ أَظْفَاَرَهَا ... وَأَشْرَقَتْ حَضْرَتُنَا أَنْوَارَهَا
(وَحَيْثُ) هذا اسم شرط حُذِفت منه (ما) ضرورةً، لأنَّ (حَيْثُ) في الأصل هي: اسم مكان .. ظرف مكان، حينئذٍ لا تكون جازمةً، يعني: مَمَّا يعمل الجزم في الفعل المضارع، لأنَّ مِمَّا يقتضي فعلين: فعل الشَّرط وجواب الشَّرط، يُشْتَرط في إعمالها الجزم: أن تُزَاد عليها (ما) وهذه (ما) تُسمَّى (ما) الزَّائدة، حينئذٍ لا تجزم إلا مقترنةً بـ (ما) وهذا عليه جمهور النُّحاة.
وأجاز الفرَّاء الجزم بها بدون (ما) إذًا: على مذهب الفرَّاء ليس عندنا حذف، (حَيْثُ تَشْبِيِهٌ) بالرَّفع ولا تضفه إلى: (حيث) هناك: حيث تَشبيهٍ غلط، (وَحَيْثُ تَشْبِيِهٌ) على مذهب الجمهور الأصل (حَيْثُمَا) وحُذِفت (ما) ضرورةً للنَّظم، وعلى مذهب الفرَّاء (حَيْثُ) على أصلها، حينئذٍ باقيةٌ على أصلها.