أمَّا تسميتها: كناية، ومكنيَّة، فلأنَّ الكناية هي الإخفاء، شيء الكناية هذا مَخفي. فلأنَّ الكناية هي الإخفاء وهو قد أخفاه، يعني: التَّشبيه هنا مَخفي، حينئذٍ واضح من حيث التَّسمية.
وهو قد أخفاه ولم يُصرِّح به، وإنَّما دلَّ عليه بذكر لوازمه وخواصِّه، فهنا التَّشبيه لم يُصرَّح به، وما لا يُصرَّح به وفُهِم فهو مكنيٌّ عنه، إذًا: كون التَّشبِيه لم يُصرَّح به لكنَّه فُهِم بذكر الَّلازم الدَّال على المشبَّه به .. عَلمنا أنَّ ثَمَّ مشبَّه ومشبَّه به، فحينئذٍ نقول: هذا مفهومٌ، وإذا فُهِم وكان مخفيًَّا حينئذٍ صار كنايةً.
ولذلك الفقهاء يقسِّمون ألفاظ الطَّلاق إلى قسمين: صريح، وكناية .. الكناية ليس صريحًا، يعني: لا يأتي بلفظ الطَّلاق، وإنَّما يأتي بلفظٍ يُشير وينوي به في المعنى، وأمَّا تسميتها بـ (الاستعارة) .. لماذا سُمِّيت الاستعارة بالكناية؟ الكناية واضح كما سبق: خفاء، وأمَّا تسميتها بالاستعارة فقالوا: إنَّه مُجرَّد اصطلاحٍ، فهو تسميةٌ خاليةٌ عن المناسبة، هذا المشهور عند البيانيين.
وقيل: سُمِّيت استعارة بناءً على أنَّ بينهما ملابسةً، هي: أنَّ الاستعارة مبنيَّة على التَّشبيه، لأنَّ الاستعارة ما هي؟
مجازٌ عُلْقَتُهْ تَشابُهٌ ..
إذًا: كل استعارةٍ مبنيَّة على علاقة هي التَّشبيه أو المشابهة فهي استعارة، إذًا: تسمية الكناية بكونها استعارة لأنَّها مبنيَّةٌ على التَّشبيه، وحينئذٍ الاسم يُراعى فيه أدنى ملابسة كالإضافة .. إضافة الشيء إلى الشيء أدنى ملابسة، ولو لم تكن مُدركة لأوَّل وهلة.
هنا كذلك لَمَا كانت الاستعارة مبنيَّةٌ على التَّشبيه لوحظت هذه الملابسة فسُمِّيت استعارة، وإن لم تكن حقيقة الاستعارة موجودةً في هذا النَّوع.
وقيل: بناءً على أنَّه استُعِيرت الدَّلالة عليه بِذكر لازم المشبَّه به، وما حقُّه تلك الدَّلالة إنَّما هو أداة التَّشبيه، يعني: الَّلازم هنا قام مقام أداة التَّشبيه ففيه استعارة، بدلًا من أنْ نأتي بأداة التَّشبيه استعرنا الَّلازم الذي هو من خواص المشبَّه به وعبَّرنا به عن الأداة كأنََّنا استعرنا اللفظ للفظ، هكذا قيل وفيه بُعد.
بناءً على أنَّه استُعِيرت الدَّلالة عليه بذكر لازم المشبَّه به، وما حقُّه تلك الدَّلالة إنَّما هو أداة التَّشبِيه، يعني: الذي دلَّنا على التَّشبيه المضْمَر هو الَّلازم، وحق هذه الدَّلالة ألا تكون بذِكر لازمٍ من لوازم المشبَّه به وإنَّما بالأداة، هنا حَصَل ثَمَّ استعارة.
وقيل: بناءً على أنَّها تشبه الاستعارة في صفةٍ: وهي ادِّعاء دخول المشبَّه في جنس المشبَّه به، يعني: الاستعارة مبنيَّة على أنَّ المشبَّه كأنَّه صار فردًا ادِّعائيًا في جنس المشبَّه به، وهذا موجودٌ هنا، وهذا لا بأس به.
وقال السُّبْكِي:"سُمِّيت استعارةً بالكناية لأنَّ فيها حقيقة الكناية المصطلح عليها"سيأتي الأصل الثَّالث من الأصول الثلاثة أو الأركان الثَّلاثة التي ينبني عليها علم البيان: الكناية.