فالأول مثَّل له النَّاظم بقوله: (كأَنْشَبَتْ مَنِيَّةٌ أَظْفارَها) يعني: كقولك (الكاف) داخلةٌ على محذوف، كقولك: أَنْشَبَتْ، يُقال: نَشِبَ في الشِّيء نُشُوبًا: عَلِق فيه، وَأَنْشَبَ الشيء في غيره: أَعْلَقَه به، وهذا فيه إشارة إلى قول الشَّاعر:
وِإذَا المَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفارَها ... أَلْفَيْتَ كُلَّ تَمِيمَةٍ لاَ تَنْفَعُ
(المَنِيَّةُ) المراد بها: الموت، و (أَنْشَبَتْ) أي: علقت، (أَظْفارَها) على حقيقته، فإنَّه شبَّه المنيَّة في نفسه بالسَّبُع.
إذًا: عندنا مشبَّه ومشبَّهٌ به (إذَا المَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفارَها) إذًا: عندنا منيَّة وهي المشبَّه، المشبَّه به ما هو؟ السَّبُع، في ماذا؟ وجه الشَّبه: الاغتيال، هل ذُكِر المشبَّه به؟ الجواب: لا .. هل ذُكِر الاغتيال وجه الشَّبه؟ الجواب: لا .. هل ذُكِرت الأداة؟ الجواب: لا .. ما الذي ذُكِر؟ (المَنِيَّةُ) فقط .. المشبَّه.
فإنَّه شبَّه المنيَّة في نفسه بالسَّبُع في اغتيال النُّفوس من غير تفرقةٍ بين رئيسٍ ومرؤوس .. لا تُفَرِّق بين هذا ولا ذاك، ولم يذكر من أركان التَّشبيه إلا المشبَّه وهو (المَنِيَّةُ) فقط، وحذف المشبَّه به، والأداة، ووجه الشَّبه، فأثبت لها .. للمنيَّة التي هي المُشبَّه (الأظفار) الذي لا يكمُل ذلك الاغتيال الذي هو وجه الشبه بينهما بالسَّبُع بدونها، حينئذٍ السَّبُع قد يغتال بدون الأظفار .. بفمه مثلًا، لكن كونه بالأظفار أكمل.
حينئذٍ ذِكْر هذا الَّلازم يدلُّ على أن وجه الشَّبه أكمل، لا على أنَّه لا يَحصل وجه الشَّبه إلا بذكر الأظفار، وإنَّما يحصل بدون ذلك لأنَّ الاغتيال قد يكون بالأظفار وقد يكون بغيره، لكن كمال الاغتيال إنَّما يكون بالأظفار، ولذلك حَصَل به الكمال.
إذًا: فأثبت لها أي: للمنيَّة، الأظفار الذي لا يكمل ذلك الاغتيال الذي هو وجه الشَّبه بينهما في السَّبُع بدونها تَحقيقًا للمبالغة في التَّشبيه، فتَشبِيه المنيَّة بالسَّبُع استعارةٌ بالكناية، التَّشبيه هنا في أصله مع الحذف: استعارةٌ بالكناية، وإثبات الأظفار لها استعارةٌ تَخييليَّة، ثَمَّ نوعان من الاستعارة:
-تشبيه المنيَّة بالسَّبُع فيما ذُكِر مع الحذف هذه استعارة بالكناية، لأنَّه أخفى التَّشبِيه في نفسه، وإثبات الَّلازم .. لازم المُشبَّه به للمُشبَّه ذكره هذا يُسمَّى: استعارةً تَخييليَّة فتداخلتا، فعلى هذا فكلٌّ من لفظي: الأظفار والمنيَّة، حقيقةٌ مستعملةٌ في معناه الموضوع له، لأنَّ المنيَّة ما المراد بها؟ الموت والأظفار؟ هي الأظفار، إذًا: هل عندنا لفظٌ اسْتُعمل في غير ما وضع له؟ لا، والاستعارة مجازٌ، لا بُدَّ أن يستعمل اللفظ في غير ما وُضِع له، هنا جاء الخلل.
(إِذا المَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفارَها) استعملت (المَنِيَّةُ) في الموت على ما هي عليه، والأظفار على ما هي عليه، حينئذٍ كيف ندَّعي أن هذه استعارة؟ مع كون:
والاستعارةُ مجازٌ عُلْقَتُهْ ... تشابُهٌ. . . . . . . . . . . . .