ويَمتنع أن تكون من البلاغة لأمورٍ كما ذكرناه سابقًا في القول (أبلغ) أي: من المبالغة، أولًا: أن البلاغة لا تكون في المفرد كما سبق في أول الكتاب .. البلاغة لا يوصف بها المفرد، وإنما الفصاحة هي التي يوصف بها المفرد، ولا شَكَّ أن المجاز هنا قلنا: المراد به المجاز المفرد، والكِنَايَة إنما تكون في المفردات، حينئذٍ إذا قيل: أبلغ من البلاغة لا يتأتى، وإنما المراد أبلغ من المبالغة، لأنه إذا قلنا: أبلغ من البلاغة المجاز المرسل، هذا ليس من البلاغة لأنه من المفردات، والمفرد لا يوصف بكونه بليغًا، وإنما يوصف به المُتَكلِّم والكلام فحسب، ولا يقال: كلمةٌ بليغة، وإنما يقال: كلمةٌ فصيحة، ويُقال: متكلم بليغ، وكلامٌ بليغ، وأمَّا كلمة بليغة لا يُقال.
حينئذٍ تَعيَّن أن يكون المراد هنا بـ: (أبلغ) هو المبالغة. أنَّ البلاغة لا تكون في المفرد كما سبق، ولا شك أن المجاز أو الكِنَايَة يكونان مفردين غالبًا.
ثانيًا: أنَّ (أبلغ) أفعل تفضيل، فإذا أُخذ من المبالغة التي حقيقتها البلوغ، أي: الوصول إلى المقصود وفعلها حينئذٍ يكون (بلغ) على وزن (فعَل) بالفتح، كان على بابه من التفضيل، لأن الحقيقة بالغةٌ إلى المقصود بكل حال، والمجاز أبلغ منها كما سبق، وإذا أُخذ من (المبالغة) كان من (بَلُغ) بالضَمِّ على وزن (فَعُلَ) و (فَعُلَ) لا يأتي منه أفعل التفضيل على ما ذُكِر. وهو دليلٌ على حصول البلاغة في الحقيقة، وليس كذلك لأن الحقيقة المُجرَّدة لا بلاغة فيها.
ثالثًا: كثرة المبالغة لا تُوجِب البلاغة مُطلقًا، بل في مقامٍ يستعدي المبالغة، فرُبَّ حقيقةٍ أبلغ من المجاز لوقوعها في مقامٍ لا يستدعي المبالغة.
على كلٍّ: المراد هنا المبالغة لا البلاغة.
إذًا:
ثُمَّ المجازُ والكُنَى أبْلَغُ مِنْ ... تَصْريحٍ اوْ حَقيقةٍ كَذا زُكِنْ
في الفَنِّ تَقديمُ اسْتِعارةٍ على ... تَشبيهٍ ايضًا بِاتفاقِ العُقلا
إذًا القاعدة: المجاز أبلغ من الحقيقة .. الكِنَايَة أبلغ من التَّصرِيح .. والاستعارة أبلغ من التَّشبِيه، وفي الأخيرة هذه تفاصيل كثيرة موجودة في المطولات.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!