وثانيها: أنَّ في ترك التَصرِيح بالتَّشبِيه الذي هو حقيقة الاستعارة التي هي مَجازٌ خصوص الفائدة التي علمتها في المجاز آنفًا، وهي دعوى الشيء ببينةٍ، لأن فيه انتقالٌ من الملزوم إلى لازمه.
إذًا: الاستعارة أبلغ من التَّشبِيه، لأنها نوعٌ من المجاز، وفيه دعوى أنَّ المُشَبَّه فردٌ من المُشَبَّه به.
ثُمَّ اعْلَم أنَّه ليس المراد من كون المجاز والكِنَايَة أبلغ من الحقيقة والتَّصرِيح أن شيئًا منها يُوجِب أن يَحصل في الواقع زيادةٌ في المعنى لا توجد في الحقيقة والتَّصرِيح، إذا قيل: المجاز أبلغ من الحقيقة، ليس المراد منه أنَّ ثَمَّ شيئًا في الواقع يحصل في التركيب المجازي من معنىً في الأصل ليس موجودًا في الحقيقة، ولا معنى موجودٌ في الكِنَايَة ليس موجودًا في التصريح .. ليس هذا مرادهم، بل المراد من ذلك: أنَّه يفيد زيادة تأكيدٍ للإثبات.
ويُفهم من الاستعارة أن الوصف في المُشَبَّه بالغٌ حَدَّ الكمال كما في المُشَبَّه به، ولذلك إذا قدمت الاستعارة مثلًا على التَّشبِيه، قلنا: زيدٌ كالأسد هذا تَشبيهٌ، زيدٌ أسدٌ، كلاهما استويا في الدَّلالة على أنَّ زيدًا رجلٌ شجاع، لكن أيهما أبلغ زيادة تأكيد في الدَّلالة على المعنى؟ لا شَكْ أنه الاستعارة، زيدٌ أسدٌ، إذًا: في الواقع ليس عندنا معنىً لم يدلَّ عليه ما جعل دون الأبلغ، وإنما استويا في الدَّلالة، إلا أنَّ أحدهما أكثر فائدةً في المعنى نفسه من الآخر، هذا المراد.
ويُفهم من الاستعارة أن الوصف في المُشَبَّه بالغٌ حَدَّ الكمال كما في المُشَبَّه به، وليس بقاصرٍ فيه كما يفهم من التَّشبِيه، والمعنى لا يتغير حاله في نفسه، بأن يُعبَّر عنه بعبارة أبلغ، المعنى الأصلي هو هو في التَّشبِيه وفي الاستعارة .. في المجاز وفي الحقيقة .. في الكِنَايَة أو في التَّصرِيح، المعنى الأصلي موجودٌ فيهما معًا، إلا أنَّ أحدهما أكثر إثباتًا له من الآخر، هذا المراد بالتقابل هنا.
والمعنى لا يتغير حاله في نفسه، بأن يُعبَّر عنه بعبارة أبلغ، وهذا هو مراد الشيخ عبد القاهر من قوله:"ليست مزية قولنا: رأيت أسدًا على قولنا: رأيت رجلًا هو الأسد سواءٌ في الشجاعة"رأيت أسدًا يرمي مثلًا .. رأيت رجلًا هو والأسد في الشجاعة سواء، أصل المعنى باللفظين واحد، رأيت أسدًا يرمي، إذًا: رجلٌ شجاع .. رأيت رجلًا هو والأسد في الشجاعة سواء، إذًا: رجلًا شجاع، إذًا: اللفظان أو التركيبان دلا على أصلٍ واحد وهو إثبات الشجاعة في زيد، لكن أيهما أبلغ؟ لا شَكَّ أن الأول أبلغ من الثاني.
ولذلك قال هنا عبد القاهر:"ليست مزية قولنا: رأيت أسدًا على قولنا: رأيت رجلًا هو الأسد سواءٌ في الشجاعة، أن الأول أفاد زيادةً في مساواته للأسد في الشجاعة لم يفدها الثاني لا، بل كل المعنى الذي دَلَّ عليه: رأيت أسدًا، من حيث الدَّلالة على شجاعة الرجل نفس المعنى كله دَلَّ عليه اللفظ الثاني، بل الفضيلة: هي أنَّ الأول أفاد تأكيدًا لإثبات تلك المساواة لم يفدها الثاني، وإنما الثاني أخذناه من لفظ (سواء) لا من اللفظ نفسه"لأنه قال: سواءٌ في الشجاعة،"فهو من المبالغة لا من البلاغة".