إذ لا تعتبر فنونه التي هي وجوه تحسين الكلام محسنةً له إلا بعد رعاية مطابقته لمقتضى الحال ووضوح دلالته، مطابقة الكلام لمقتضى الحال، هذا إنما يبحث في علم المعاني، وكذلك وضوح الدلالة إنما يبحث في فن البيان، إذًا: لا يعتبر الشيء محسنًا من محسنات الكلام إلا بعد رعاية هذين الأمرين: مطابقة الكلام لمقتضى الحال، ووضوح الدلالة.
ووضح دلالته، أي: خلوه عن التعقيد المعنوي، قال الشارح هناك -الدمنهوري-:"فن البديع ليس جزءً من البلاغة، بل هو تابعٌ لها، فالنظر فيه فرع النظر فيها فلذلك أخر"وهذا انتقده المحشي، وإن كان النقد ليس متجهًا من حيث نفي الجزئية عنه، لأنه قال:"فن البديع ليس جزءً من البلاغة"ليس جزءً وسبق أنه أحد الأجزاء الثلاثة، نعم ليس جزءًَ تأسيسًا، وإن كان جزءً تكميليًا، كما أن الإنسان مركبٌ من أجزاء، بعض أجزاءه يفوت الإنسان بفواتها كالقلب مثلًا، وبعض الأجزاء لا يفوت الإنسان بفواتها كإصبعٍ ونحوه.
حينئذٍ نقول: الجزء على مرتبتين: جزءٌ يفوت الكل بفواته، وجزءٌ لا يفوت الكل بفواته، فمن قال بأنه جزءٌ عنى به الثاني، ومن نفى عنه أنه جزءٌ عنى به الأول، فلا اعتراض على المصنف، فن البديع ليس جزءً من البلاغة بل هو تابعٌ لها، فالنظر فيه فرع النظر فيها، فلذلك أخر، فينظر أولًا في المعاني، ثم في البيان، ثم بعد الفراغ من النظر في هذين الفنين حينئذٍ ينظر في البديع إذ هو جزءٌ تكميلي، وليس بجزء تأسيسي.
قال في الحاشية:"المناسب ليس متعلقًا بالبلاغة بل بتوابعها، فالنظر فيه فرع النظر فيما يتعلق بها، إذ عبارته تفيد أن الفنين الأولين جزءٌ منها، وأن نفس البديع تابعٌ وليس كذلك، بل الأولان متعلقان بها، والثالث بتوابعها"والخلاف يكاد أن يكون لفظيًا إلا أن تعبير صاحب حلية اللب المصون لا بأس به.
قوله: الفن الثالث: علم البديع، البديع في اللغة: الغريب، من قولهم: بَدُعَ الشيء إذا كان غايةً فيما هو فيه من عِلْمٍ أو غيره حتى صار غريبًا، فالبديع بمعنى: غريب في لسان العرب، وهو فعيل، حينئذٍ فعيل إما أن يكون بمعنى: فاعل، وإما أن يكون بمعنى: مفعول، وقد يبقى على حاله إذا كان مصدرًا، وفعيل: قد يأتي بمعنى: فاعل، ويكون له معنىً خاص، وقد يأتي بمعنى: مفعول، ويكون له معنىً خاص.
البديع قبل ملاحظة العلمية، يعني: قبل جعله علمًا يصح فيه الوجهان، أن يقال: البديع بمعنى: مُفْعِل أو بمعنى: مُفْعَل، هذا أو ذاك، وقبل ملاحظة العلمية يصح فيه أن يكون بمعنى مُفْعِل بالكسر والفتح مُفْعَل، فإضافة العلم إليه على الأول .. إضافة العلم .. علم البديع، علم هذا مصدر: عَلِمَ يَعْلَم عِلْمًا، والبديع بمعنى: مُفْعِل، حينئذٍ يكون إضافة المصدر إليه من إضافة المصدر إلى فاعله، وإذا كان بمعنى: مُفْعَل اسم مفعول بفتح العين، حينئذٍ عِلْم يكون مصدرًا مضافًا إلى مفعوله، يكون من جهة المعنى، وهذا قبل جعله علمًا، وأما بعد جعله علمًا فلا.