إذًا: تعرف هذه الوجوه، إذًا: به هذا متعلقٌ بـ (تعرف) ووجوه تحسين الكلام .. وجوه: جمع وجه، والمراد به هنا الصور التي يقصدها المتكلم، لأن تحسين الكلام يعني: محسنات الكلام، وهذا له صور، منها المطابقة والمزاوجة والمشاكلة، كل واحدةٍ من هذه الألقاب هي صورةٌ من صور تحسين الكلام.
حينئذٍ قوله: عِلْمٌ بِهِ وجوهُ، أي: الصور التي تقصد من المتكلم لتحسين الكلام، أي: التي يُحَسَّن بها الكلام فتعد من المحسنات، وجوه تحسين الكلام، أي: بقسميها اللفظية والمعنوية كما سيأتي، لأنه سيأتي تقسيمها إلى نوعين بحسب الألفاظ والمعاني.
وجوه تحسين الكلام المعنوية واللفظية، أي: المعاني التي يحسن الكلام بها.
تُعْرَفُ، أي: تتصور وتعلم أعدادها بقدر الطاقة، لأنهم كما قالوا: إنه علمٌ يعني: لو أراد الإنسان أن يستنبط من لسان العرب ما يمكن استنباطه لعجز عن إدراك كل ما يمكن أن يجعل لقبًا لفنٍ من الفنون، وهذا تركه أولى، لأن حصر الألقاب في عددٍ محددٍ ومحاولة إدراج كثير من الأعداد التي فصلها كثيرٌ من البيانيين، حينئذٍ إدراجها تحت عنوان أو لقبٍ واحد يكون أقرب إلى الضبط والتقعيد.
وأما إذا كانت ألقاب البديع تصل إلى المأتين، وقد أوصلها بعضهم إلى المأتين، وبعضهم إلى الأربعمائة، فهذه لا يمكن إدراكها، كيف يكون هذا العلم علم قواعد وأصول؟ ولكن الأولى أن تُجعل هذه تحت ألقاب عامة، ثم قد يكون تحت كل لقبٍ بعض الأنواع التي يندرج تحت ذلك اللقب، ويكون ثَمَّ قدرٌ مشترك بينها.
وفي التعبير بالمعرفة -تُعْرَفُ-، والمشهور عند كثير من أرباب الفنون، أن المعرفة إنما تستعمل في الجزئيات لا في الكليات، بخلاف العلم، العلم يستعمل في الكليات والمعرفة تستعمل في الجزئيات، وهذا وإن اشتهرا عند كثير من المتأخرين إلا أنه خلاف ما عليه أهل اللغة، أهل اللغة الأكثر عندهم: أن العلم والمعرفة مترادفان، والتفرقة بينهما إنما هو اصطلاحٌ فقط .. استنباط، وأما ما عدا ذلك فيبقى على الأصل.
وأما عدم إطلاق لفظ المعرفة .. العارف على الله عز وجل لأن الأسماء والصفات توقيفية، فلا يلزم إطلاق لفظ العلم، أن ما رادفه كذلك يطلق على الرب جل وعلا، سواءً كان في لفظ العلم أو في غيرها، حينئذٍ نقول: عدم إطلاقه على الرب جل وعلا لا يلزم من أن يكون مفارقًا للفظ العلم .. لا يلزم إذا كان العلم والمعرفة سيان بمعنىً واحد .. لا يلزم من إطلاق العلم إطلاق المعرفة على الخالق جل وعلا، لأن الأسماء توقيفية وكذلك الصفات توقيفية، وحينئذٍ لا اعتراض.
وبالتعبير بالمعرفة الشائعة في إدراك الجزئيات إشارة إلى أن هذا العلم يعرف به كل وجهٍ جزئي يرد على سامع الكلام البليغ والمتلفظ به مما أورد من المحسنات في هذا الفن، يعني: ثَمَ صور، والصور كل واحدةٍ منها يطلق عليها أنها جزئي، حينئذٍ العلم هنا في علم البديع علم بجزئيات، لا علمٌ بكليات، هذا مرادهم، وليس بجيد.