ولما لم يكن إيرادها في كل كلامٍ ويُعد محسنًا، قال الناظم رحمه الله تعالى: بَعْدَ رَعْيِ سابِقِ المرامْ، إذًا: صور تحسين الكلام تعرف هذه الصور وهي علم البديع بذاته إلا أنها ليست مطلقًا في كل كلام، وإنما يشترط في هذا الكلام أن يكون بَعْدَ رَعْيِ، يعني: مراعاة سابِقِ المرامْ.
تُعْرَفُ بَعْدَ: بعد هذا متعلق بقوله: تَحسينِ، تحسين هذا مصدر: حَسَّنَ يُحَسِّنُ تَحْسِينًا، فحينئذٍ نقول: متعلق بقوله: تَحسينِ الكلامْ، متى يكون تحسين الكلام؟ بعد رعيٍ، هكذا كأنك تجعله في سؤال مقدر، متى يكون تحسين الكلام؟ متى يصدق عليه أنه بديع، ويصدق تحسين الكلام على أن الكلام بديع .. من علم البديع؟ حينئذٍ تقول: هذا بعد رعي سابق المرام.
بَعْدَ إذًا متعلق بقوله: تَحسينِ، ورَعْيِ يقال: رعى الأمر: راقب مصيره، ونظر في عواقبه وحفظه، وأبقى عليه، ففيه معنى الملاحظة والمراقبة، يعني بَعْدَ رَعْيِ يعني: بعد ملاحظة ومراقبة سابِقِ المرامْ، سبقه إلى الشيء سبقًا تقدمه، ورام الشيء رومًا ومرامًا طلبه، سابق المرام، يعني: المرام السابق .. المطلوب السابق، ما هو المطلوب السابق؟ مطابقة الكلام لمقتضى الحال، ووضوح الدلالة الذي سبق تقريره وتقعيده في علمي المعاني والبيان.
سابِقِ المرامْ: من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: المرام السابق، يعني: المطلوب المقصود السابق .. أي: المطلوب السابق وهو المطابقة ووضوح الدلالة اللذان هما مُفادان للفنين قبله، علم المعاني وعلم البيان، إذًا قوله: بَعْدَ رَعْيِ سابِقِ المرامْ، بعد هذا متعلق بـ تَحسينِ، فقد أفاد بهذا القيد: أن هذه المحسنات إنما تُعد محسنةً بعد رعاية المطابقة ووضوح الدلالة، وأما قبله فلا يعد الكلام بليغًا فضلًا عن أن يكون قد اشتمل على ألقاب البديع.
فيجب أولًا رعاية ما يجب اعتباره من علم المعاني، فيكون الكلام مطابقًا لمقتضى الحال، وأن يكون الكلام واضح الدلالة على ما أريد به، فيجب اعتباره من علم البيان، ومن هنا جُعِل علم البيان وعلم المعاني شرطًا في تحقيق هذه الوجوه المحسنة للكلام.
إذًا: هذه حقيقة علم البديع:
عِلْمٌ بِهِ وجوهُ تَحسينِ الكلامْ
ج ... تُعْرَفُ بَعْدَ رَعْيِ سابِقِ المرامْ
ججججج
لكن فيه إجمال، وهو قوله: وجوهُ، ما هي هذه الصور .. ما هي هذه الوجوه؟ ما ذكر شيئًا منها، وإنما هي متعلقةٌ بكونها محسنات، طيب! المحسن: هذا لفظٌ مجمل، ما وجه التحسين، وكيف يكون هذا الوجه وهذا اللقب محسنًا للكلام؟ هذه إنما تعرف بتعداد ما سيذكره الناظم رحمه الله تعالى من حيث التقسيم الإجمالي لهذه المحسنات لفظية ومعنوية، ثم يذكر بابًا للمعنوية، ويذكر تحتها ما يمكن ذكره من المحسنات المعنوية، ثم بابًا للمحسنات اللفظية، ويذكر تحتها ما هو من المحسنات اللفظية.
إذًا قوله: عِلْمٌ بِهِ وجوهُ تَحسينِ الكلامْ، لم نعرف حقيقة علم البديع إلا من حيث الجملة، وهو أن هذا الفن متعلقٌ بما يعد محسنًا للكلام، وهذه مشتملة على صورٍ متعددة، ما هي هذه الصور؟ لم يذكرها في الحد كما هو الشأن في الحدود، إنما تذكر على جهة بيان الإجمال، وهذا من أبعد الحدود التي يكون فيها شيءٌ من الإجمال.