وقيل: مِن جمعِ الحاء مع الهاء إلى آخر ما ذكرناه بالأمس، والصواب أنه من تكرر النحو، كذاك أمدحه الذي تكرر، هذا هو التنافر في الكلم.
وفي الكلام مِنْ تنافُرِ الكَلِم وضَعْفِ تأليفٍ، قلنا: الضعف ضد القوة، والتأليف المراد به ضمُّ كلمة إلى أخرى مع مناسبة بينهما، وهو خاص من مطلق التركيب، وضعف تأليفٍ المراد به أن يكون الكلام جاريًا على غير سَنَن القواعد المطردة على ألسنة النحاة، فكل كلامٍ رُكِّب على غير القواعد المطردة الأغلبية المشتهرة على ألسنة النحاة حَكَموا عليه بأن الكلام غير فصيح، ومثّلوا لذلك بعود الضمير على متأخرٍ لفظًا ورتبةً وحكمًا:
ضرب غلَامُهُ زيدًا، زيدًا قلنا: هذا ليس بفصيح، لماذا؟ لأن الضمير هنا عادَ على متأخرٍ لفظًا ورتبةً، وهذا لا يجوز إلا في ستِّ مسائل استُثنيت وهي قاعدة كلية، المستثنى منها ست مسائل:
وعود مُضمرٍ على ما أُخِّرا لفظًا ورتبةً أتى مُغْتَفَرا
في مضمر الشان ونعم رجلا ورُبه فتًى كذا ما أُبْدِلا
ما بَعده عَنهُ وما قد فُسِّرَا بِخبرٍ وفي التنازع جرى
فتلك ست وسواها أوجبوا تقدّم المرجع نعم المذهبُ
هذه الست فقط مستثناة، ولا يُعتبر مجيء الكلام عليها غير فصيح، وإنما نقول: فصيح لماذا؟ لأنه غير مخالف للقواعد وسبق أنا ذكرنا في قوله: خُلْفٍ زُكِن: أن ما جاء مخالفًا للقياس، وقد نطقَ به العرب لا يعتبر استعماله مخالفًا للقياس، وذكرنا ذلك: عَوَرٌ، هذا خالف القياس أم لا؟ خالف القياس، لماذا؟ لأن القياس المطرد أن الواو إذا تحركت وفُتح ما قبلها وجب قلبها ألفًا، والأصل قد عار، لكن لم ينطق العرب بقلب الواو ألفًا، إذن: من الذي استثنى من القاعدة؟ هو الواضع نفسه، العربي نفسه استثنى من القاعدة، فإذا نطق بالكلمة على وصف القاعدة قد استعمل الكلمة على المطرد من لغة العرب، إذا استثنى ونطقَ بكلمةٍ على غير مُقتضى القاعدة نقول: هذا استثناء منه وهو فصيح، وإن خالفَ القاعدة.
لكن هنا في الكلام قالوا: ضرب غلامُهُ زيدًا، نقول: هذا غير فصيح، استُثني ست مسائل: عودُ الضمير على متأخر لفظًا وصفةً، إذا نطقَ الناطق بلفظٍ على واحد من هذه الستة، نقول: هذا فصيح، ولا نقول إنه غير فصيح، لماذا؟ وقد نطقت العربُ بضرب غلامُهُ زيدًا في الشعر، ولا نقول: هذا فصيح، ألا يعتبر هذا من الاستثناء؟
جزى ربه عني عَديّ بن حاتم ..
جزى بنوه أبا الغيلان من كِبَرٍ ..
عاد الضمير على متأخرٍ لفظًا ورتبةً، لأهل اللغة نظرٌ في مسألة استعمال اللفظ أو التركيب المخالف للقاعدة، إن وردَ استعماله نثرًا وشعرًا قالوا: هذا الأصل فيه أنه جاءَ على سَنن القواعد، والذي استُعمل نظمًا شعرًا ولم يَرد استعماله نثرًا قالوا: هذا .. ما استعمل شعرًا يَبقى على استعماله في الشعر خاصة؛ لأنه يُرتكبُ من ضرورة النظم وضرورة الشعر ما لا يُرتكب في النثر، ولذلك عند كثير من المحققين إن صح التعبير: أن عودَ الضمير على المتأخر لفظًا ورتبةً يجوزُ شعرًا لا نثرًا؛ لأنه ما ورد في النثر .. ما سُمع في النثر، وإنما سُمع في الشعر خاصةً.