فهرس الكتاب

الصفحة 691 من 828

النوع الثاني: ما تكون دلالته معنوية، يعني: اللفظ لا يدل عليه، وإنما يؤخذ من لازم أو نحوه، والنوع الثاني: أن تكون معنوية كقوله تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا ) ) [آل عمران:33] الآية، فإن اصطفى يدل على أن الفاصلة: العالمين، لا باللفظ، وإنما من جهة المعنى، لأن اللفظ .. لفظ اصطفى غير لفظ العالمين، واضح بينهما التغاير ولكن بالمعنى، لأنه يعلم من جهةٍ أن من لوازم اصطفاء الشيء أن يكون مختارًا على جنسه، وجنس هؤلاء المصطفين العالمون، اصطفى آدم ونوحًا، من ماذا؟ آدم ونوح من العالمين.

إذًا: الاختيار والتمييز إنما يكون من جنس الشيء، حينئذٍ دل على أن الاصطفاء هنا مأخوذٌ من جنسه وهو العالمون، وسمي بالتسهيم، كما سماه المصنف هنا، من سهمت الشيء أي: صوبته، السهم، سمي بذلك يعني: الذي معنا، لأن المتكلم يُصوِّب ما قبل عَجُز الكلام إلى عَجُزه، والتسهيم تصويب السهم إلى الغرض، كأنه جعل هذا اللفظ مصوبًا إلى الخاتمة، حينئذٍ أوصله كما أن السهم يوصل إلى الغرض.

وقيل من قولهم: بردٌ مُسَهَّمٌ .. أي: مخطط لا يختلف ولا تتفاوت خطوطه، فإن الكلام يكون به كالبرد المسهم المستوي الخطوط، كذا قال بعضهم، وقيل المُسَهَّمٌ: المخطط، ولم يشترط فيه استواء خطوطه، وقيل: مأخوذٌ من السهم: وهو حجرٌ يُجعل على باب بيتٍ يبنى لصيد الأسد، حجر يُجعل على باب بيت .. على المدخل لصيد الأسد، فإذا دخله الأسد وقع الحجر فسد الباب، فجُعل في البيت قبل العَجُزِ ما يصيد العَجُز، قال المرشدي:"وهو أنسب"يعني: هذا النوع أنسب، وإن كان المشهور هو الأول.

وقيل: لا يسمى الإرصاد تسهيمًا عند البعض إلا بشرط أن يكون اللفظ السابق هو الذي دل على اللاحق منه، وهو القسم الأول من الإرصاد، يعني: ما كان دلالته لفظية، وأما ما كان دلالته معنوية فلا يسمى إرصادًا بل هو توشيحٌ، وهذا قولٌ لبعضهم، لكن المشهور هو الأول، وهو أن الإرصاد: دلالة ما قبل العجز على العجز قد تكون لفظية، وقد تكون معنوية، هذا هو المشهور، وجعل بعضهم الإرصاد خاصًا بالأول، وهو اللفظي، وسمى المعنوي باسمٍ آخر وهو التوشيح.

واعلم أن هذا الباب أكثره متادخل، يعني: باب البديع من الألقاب أكثرها متداخلة، وأكثرها يمكن أن تُعلم بالنظر، يعني: لو تأمل الآية أو تأمل الحديث أو تأمل البيت الشعري استطاع أن يستنبط منه ما هو أكثر من ذلك، هذا ما يتعلق بالتسهيم.

والمشاكلةْ .. والعكسُ والتسهيمُ والمشاكلةْ، أي: وعُدَّ من ألقابه المشاكلة، والمشاكلة في اللغة: المماثلة، واصطلاحًا: ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته تحقيقًا أو تقديرًا، ذكر الشيء يعني: اللفظ، بلفظ غيره، يعني: لا يذكر بلفظه، وإنما يذكر بلفظ صاحبه، عندنا لفظان متصاحبان يطلق على ما أطلق عليه اللفظ الأول بلفظ صاحبه، وهنا الأمثلة التي يوردها البيانيون أكثرها أمثلة فاسدة، لأنهم يوردون آيات الصفات (( وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ) ) [آل عمران:54] قالوا: الله عز وجل لا يمكر، وإنما ذكر اللفظ هنا لأنه وقع مصاحبةً لغيره، قالوا: من باب المشاكلة، وهذا غلط، لأنه نوعٌ من المجاز، المشاكلة على الصحيح أنها نوعٌ من المجاز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت