فهرس الكتاب

الصفحة 690 من 828

إذًا: إذا عُرِفَ الرَوي، أي: إذا عُلِمَ مما سبق من الكلام، فدلالة ما يدل على العجز في الإرصاد لا تتحقق كليته إلا إذا عرف الروي، فلذا قُيد به التعريف، إذًا: أن يُجعل قبل العَجُز ما يدل على الخاتمة، لكن بشرط إذا عُرِفَ الرَوِي، وإذا لم يعرف حينئذٍ لا يكون من الإرصاد، قالوا: لأن منه ما لا يعرف فيه العجز لعدم معرفة حرف الروي، كما في قوله تعالى: (( وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) ) [يونس:19] فلو لم يعرف أن الروي هو النون، يعني: الحرف الذي ختمت به الآية، والآيات السابقة، لربما تُوُهِّم أن العجز فيما فيه اختلفوا (( وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا ) ) [يونس:19] اختلفوا فيه: هذا الذي يتبادر إلى الذهن.

لكن لما عُرِفَ أن الآي مختومة بالنون حينئذٍ قال: يختلفون، وهذا لا يدل عليه فيما سبق، وهذا يُتصور إذا لم يُعرف الروي، وأما إذا عُرف حينئذٍ يكون من الإرصاد.

سمي بذلك لأن السامع يرْصُد ذهنه القافية، وحيث دل عليها بما قبلها فكأنه أرصد الكلام الأول لمعرفة الكلام الآخر، وهو قسمان .. الإرصاد أو التسهيم، قسمان:

الأول: أن تكون دلالته لفظية، يعني: الذي يدل شيءٌ لفظي، يعني: لفظٌ يكون داخلًا في جزء الكلام، يدل على آخره، نحو قوله تعالى: (( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ) ) [العنكبوت:40] حينئذٍ إذا لم يظلمهم الله عز وجل ظلموا أنفسهم، هذا معلومٌ من اللفظ نفسه، لأن الله تعالى نفى أنه قد ظلم الناس عمومًا، فحينئذٍ يكون التتميم: (( وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) ) [العنكبوت:40] لو لم يرد هذا الجزء الخاتمة لعُلم من الأول: (( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ) ) [العنكبوت:40] إذًا: هم الذين ظلموا أنفسهم، لأن الحصر العقلي إما الأول أو الثاني، وقطعًا معلوم أن الله عز وجل .. إن الله لا يظلم الناس شيئًا حينئذٍ دل على أن الناس أنفسهم يظلمون، ولذلك قال: (( وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) ) [العنكبوت:40] .

وقول زهير:

سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولًا لا أبا لك يسأم

سئمتُ تكاليف أو:

سئمتَ تكاليف الحياة ومن يعيش ثمانين حولًا لا أبا لك يسأم

وقول الآخر

إذا لم تستطع شيئًا فدعه .. يعني: جاوزه إلى ما تستطيع، حينئذٍ دل اللفظ الأول على الثاني.

إذا لم تستطع شيئًا فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع

فإنه لو وقف على ما قبل أواخرها فُهمت، يعني: من اللفظ السابق، هذا النوع الأول: ما تكون دلالته لفظية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت