فهرس الكتاب

الصفحة 698 من 828

اليسرى والعسرى واضح متقابلان، وأعطى وبخل كذلك، وصدق وكذب واضحة بينة، لكن اتقى واستغنى، كيف يكون التقابل بينهما؟ هذا محل إشكالٍ عند صاحب الإيضاح وغيره، والمقابلة فيها فيما عدا الاتقاء والاستغناء ظاهرة واضحة بينه، وأما فيهما اتقى واستغنى فوجهها أن المراد باستغنى: لم يتق، (( فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ) ) [الليل: 5] واستعنى .. (( بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ) ) [الليل: 8] أي: لم يتق، فحصل حينئذٍ التقابل بين اللفظين، أن المراد باستغنى: لم يتقِ، أي: زهد فيما عند الله فكأنه مستغنٍ عنه فلم يتق، من استغنى عما عند الله تعالى هذا لم يتق، أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الجنة، وبهذا صحت مقابلته لاتقى، وإلا يحتاج إلى تأويل.

قيل: وهذا ليس من الطباق بل من الملحق به، قال في الإيضاح:"وقد تتركب المقابلة من طباقٍ وملحقٍ به"إذًا: هذا النوع داخلٌ فيما سبق: أن يتقابل لفظان كلٌ منهما موافق للآخر، قد يكونا متناسبين أو متماثلين:

والمتناسبان: هما اللذان بينهما مناسبة، وإن اختلفا مصدقًا ومفهومًا كالشمس والقمر، الشمس والقمر بينهما مناسبة، لكن الذي يصدق عليه لفظ الشمس مغاير للذي يصدق عليه لفظ القمر، والمناسبة أن هذا آية الليل وهذا آية النهار، أو كلٌ منهما جرمٌ سماوي أو آية السماوية.

والمتماثلان: هما المتحدان مصدقًا مع الاختلاف مفهومًا كإنسان وقائم، من حيث المصدق واحد، الذي قائم إذا كان المراد به إنسان، زيدٌ قائمٌ اتحدا، يعني: الشخص نفسه هو زيد وهو إنسان وهو قائم، لكن معنى إنسان ومعنى قائم مختلفان.

إذًا: تزاوُجٌ رجوعٌ او مقابلةْ، ثم قال:

تورِيةٌ تُدعى بإيهامٍ لِما أُريدَ معناهُ البعيدُ مِنْهُما

ورُشِّحَتْ بما يلائمُ القريبْ وجُرِّدَتْ بِفَقْدِهِ فَكُنْ مُنيبْ

هذا النوع يتعلق، أو البيتان يتعلقان بنوعٍ واحدٍ وهو: التورية، التورية أخت الكذب، وإن كانت مختلفة عنها.

تورِيةٌ تُدعى، يعني: تسمى، بإيهامٍ يعني: كما أنها تسمى تورية، كذلك تسمى: إيهام، أي: وعُدَّ من ألقابه توريةٌ وتسمى: الإيهام، كما نص عليه الناظم رحمه الله تعالى، سمي بذلك يعني: التورية المعنى .. سمي بالإيهام لما فيه من إدخال السامع في الوهم، يعني: يوهم، يأتي بلفظٍ يحتمل معنيين فيريد به المعنى البعيد، أوهم السامع .. أدخله في الوهم، هو يظن أنه يريد المعنى القريب، وهو قد سافر به إلى المعنى البعيد، ولكنه لم يسافر.

وكذلك يسمى: التخييل، من الخيال وهو الوهم كذلك، يُقال: خُيِّل إليه أنه كذا، أي: أوهم، وهذان الاسمان فيهما دخل، والصحيح أن الاسم الصريح الذي يؤدي المعنى المراد هو التورية.

والتورية: مصدر ورَيَّتُ الخَبَر إذا سترته وأظهرت غيره، كأنه من وراء الإنسان، فكأن المتكلم يجعله ورائه بحيث لا يظهر، أصلها: وورِي تورية، فأُبْدِل أول الواوين تاءً كما في توصية، لأن وزنها تَفْعِلة ووري، وأصح الأسماء هو: التورية، لأنها من جعل الشيء ورائك، فأنت إذا وَرَّيِت كلامك فكأنك نقلته من قُدَّام المخاطب إلى ورائك وورائه أيضًا، ومن قُدَّام المخاطب إلى ورائك هو أقربها إلى التورية، إذًا: هذا الاسم أحسن ما يُقال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت