وأما الأسماء الأخرى ففيها بعدٌ من معنى التورية الذي أراده البيانيون، ولذا قال الناظم: تُدعى، أي: تسمى هي، بإيهامٍ: الباء هذه داخلةٌ على المفعول الثاني، لأن تدعى بمعنى: تسمى، فإذا كان كذلك سمى يتعدى إلى مفعولين، قد يتعدى إلى المفعول الثاني بالباء، وقد يتعدى له بنفسه.
والإيهام: مأخوذٌ من الوهم، ومعناه: التغليط، وهو صادقٌ بأي نوعٍ من أنواع الغلط .. وهم معناه: التغليط، إذًا: لا يصدق على المعنى الذي أراده الموَرِّي، ثم التورية بمعناها المراد ليس فيها تغليط، لأنه أراد أحد المعنيين اللذين وضع لهما اللفظ، أين الغلط؟ فهو مقصودٌ، وهذه التسمية التي هي الإيهام لصاحب المفتاح تبعًا للشيخ عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز.
إذًا: تدعى بإيهامٍ .. تدعى هي بإيهام فتسمى إيهامًا، وهذه التسمية للسكاكي كما ذكرنا صاحب المفتاح، والسكاكي تبع فيه عبد القاهر الجرجاني وهو إمام الفن في كتابه الجليل: دلائل الإعجاز.
وعرفها الناظم بقوله: لِما أُريدَ معناهُ البعيدُ مِنْهُما، لما أي: لفظٌ، أُريدَ يعني: أراد المُتَكَلِّم، معناهُ، أي: معنى اللفظ، البعيدُ، يعني: اعتمادًا على القرينة الخفية، مِنْهُما: لما قال البعيد، فهمنا أن هذا اللفظ له معنيان: معنىً قريب، ومعنىً بعيد، وأراد المتَكَلِّم بهذا اللفظ المعنى البعيد، مِنْهُما أي: من المعنيين، أو أن يكون من معاني متعددة فلا إشكال، حينئذٍ يكون اللفظ مشتركًا اشتراكًا معنويًا بين معنيين فأكثر، أحد هذين المعنيين يكون قريبًا، والآخر يكون بعيدًا، فيطلق اللفظ المتكلم ويريد بهذا اللفظ معناه البعيد، لكن بشرطه كما سيأتي.
إذًا: هي اللفظ الذي أريد المعنى البعيد من معنييه، وحقيقتها: أن يطلق لفظٌ له معنيان قريبٌ وبعيد، ويراد به البعيد منهما كما نص على ذلك الناظم، فيطلق اللفظ المشترك اشتراكًا معنويًا، أي: له معنيان أو أكثر، ويكون أحد المعنيين أو المعاني قريبًا من الفهم، أي: ظاهرًا يُسرى إليه بلا كلفة، بمعنى: أن اللفظ يطلق ويستعمل في هذا المعنى، يعني: المعنى القريب، ويستعمل هذا اللفظ بعينه في المعنى البعيد، حينئذٍ كلٌ منهما يكون ظاهرًا، لكن يقع الوهم والإيهام في ذهن السامع، ومن هنا رُوعِي التسمية السابق، وإن كانت المعنى من حيث الظهور لا.
إذًا: ويكون أحد المعنيين أو المعاني قريبًا من الفهم، أي: ظاهرًا يُسرى إليه بلا كلفة، والآخر يعني: المعنى الآخر بعيدًا عنه بذلك التفسير، ولأن المعنى من حيث هو في الأصل لا يوصف ببعدٍ ولا قرب، لأن المعنى عرض، والبعد والقرب عرضان، وعندهم العرض لا يقوم بالعرض، هذا بالجملة فيه شيءٌ من النظر، وليس كل لفظٍ مشتركٍ بين معنيين يتصور فيه التورية، كاللغات التي تدور على الألسنة، يعني: قد يكون بعض الألفاظ وإن كان اللفظ مشتركًا بين معنيين أو معاني قد لا يتصور فيها التورية، ولذلك التورية عسرةٌ، يعني: ليست بالشيء الهين، يعني: أمرٌ يحتاج إلى أمور: