فهرس الكتاب

الصفحة 700 من 828

أولًا: العلم بهذه الألفاظ المشتركة في لسان العرب، بأن هذا اللفظ قد استعمله العرب في عدة معان، لا بد أن يقف على هذا، حينئذٍ لا بد أن يعلم ما هو اللفظ المشترك، ويعلم أن هذا اللفظ له معنيان أو أكثر، وأن كل معنىً من هذه المعاني التي هي داخلةٌ تحت اللفظ المشترك قد استعمل العرب ذلك اللفظ فيه.

ثم يحتاج إلى بديهةٍ وهي استحضار ذلك اللفظ عند إيراد الكلام الذي يُوَرَّى فيه، ولذلك كثيرًا ما يقع الناس الآن في الكذب بحجة التورية، وهذا لا يطيقه كل طالب علم فضلًا عن العامة، فأكثر توريات العوام كذب .. كذب صريح، لماذا؟ لأنه لا يعرف لفظ مشترك، لو قلت له لفظ مشترك يظن أنه أموال أو شيء من هذا القبيل، فكونهم لا يعرفون حينئذٍ إذا استخدموا التورية يكون كثيرًا منه إنما هو من الكذب الصريح.

وكذلك الطالب الذي لا يكون ذكيًا في استحضار المسائل أو الألفاظ المشتركة يقع في الكذب من حيث لا يشعر.

ولذلك نص البيانيون، -وهذه كلمة المرشدي-:"وليس كل لفظٍ مشتركٍ بين معنيين يتصور فيه التورية"إذًا: ليس كل لفظٍ مشترك، أولًا حدد هذه الألفاظ، ثم بعد ذلك يمكن أن تقع التورية"وإنما تتصور حيث يكون المعنيان ظاهرين، إلا أن أحدهما أسبق غلى الفهم من الآخر"وهذا يختف باختلاف الأماكن والعرف، وبحسب اللوازم المبينة والمرشحة، إذًا: قد يكون للوازم وتكون الأعراف لها دخلٌ في المفاهيم.

فيطلق هذا اللفظ بشرطه السابق ويقصد المعنى البعيد، اعتمادًا على قرينة خفية، ويوري عنه بالقريب فلا يفهمه السامع من أول وهلة، ولذلك سمي بالإيهام كما ذكره الناظم، فلاحظ هذا الإيهام في صرف ذهن السامع فسمى التورية: إيهامًا، وإن كان التورية اسمٌ لفعل الفاعل لا باعتبار المخاطب، الإيهام أين يقع؟ في ذهن المخاطب السامع، هذا الأصل فيه، وإن كان قد يكون المتكلم مريدًا للإيهام، لكن تسميته إيهام هذا باعتبار السامع في الجملة، والتورية إنما هي من فعل الفاعل المتكلم، ولذلك كان التورية هذا الاصطلاح أولى.

ثم إطلاق ذلك اللفظ المشترك على كلٍ من معنييه أو معانيه وإرادة البعيد منها قد يكون بالحقيقة، يعني: اللفظ المستعمل في التورية قد يكون في معنييه استعمالًا حقيقةً، وقد يكون مجازًا، وقد يكون في أحد المعاني حقيقةً، وفي الآخر مجازًا، هذا المراد به.

إذًا: ثُم إطلاق ذلك اللفظ المشترك على كلٍ من معنييه أو معانيه وإرادة البعيد منها قد يكون بالحقيقة، كالمشترك الذي اشتهر منه أحد معانيه، لأن المشهور أقرب تبادرًا إلى الفهم من الآخر، وقد يكون بالمجاز، كلفظٍ له مجازان اشتهر أحدهما، وقد يكون أحدهما بالحقيقة والآخر بالمجاز، فإن الحقيقة أقرب تبادرًا إلى الذهن من المجاز.

إذًا: هذا هو حقيقة التورية التي أرادها الناظم: تورِيةٌ تُدعى بإيهامٍ لِما، يعني: للفظٍ، أُريدَ: هنا مغير الصيغة، يعني: أراد المتكلم، معناهُ البعيدُ .. أُريدَ معناهُ البعيدُ، إذًا: فيه معنى قريب ولم يرد، مِنْهُما، أي: من المعنيين، إذًا: أطلق هذا اللفظ المشترك وأراد به المعنى البعيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت