ثم قسم التورية إلى نوعين: مجردَّة، ومرشَّحة، كما هو الشأن في الاستعارة كما سبق، والترشيح والتجريد من حيث اللغة مر معنا فيما سبق، ثم تنقسم التورية إلى قسمين: مجردة ومرشحة، وأشار إلى الثاني منهما بقوله: ورُشِّحَتْ بما يلائمُ القريبْ، يلائم يعني: بالذي يلائم، أي: يناسب أو يوافق القريب، وجُرِّدَتْ بِفَقْدِهِ.
إذًا: عندنا ملائم وعندنا تجريد عن هذا الملائم، يعني: يذكر لفظٌ مع التورية يدل على المعنى البعيد قد لا يفهمه السامع، فالمرشحة: هي التي قُرِنَ بها ما يلائم المورَّى به، التي قرن بها يعني: بالتورية، باللفظ المشترك هذا هو التورية، قد يقترن بها إما قبلها أو بعدها ما يلائمه، يعني: ما يوافقه، يعني: لفظٌ يدل على المعنى البعيد، قد يفهمه السامع وقد لا يفهمه، هي التي قرن بها ما يلائم المورَّى به إما قبلها وإما بعدها، فقبلها كقول الشاعر:
فلما نأت عنا العشيرة كُلُّها أنخنا فحالفنا السيوف على الدهر
فلما أسلمنا عند يوم كَرِيهةٍ ولا نحن أغضينا الجفون على وتر
هنا الجفون هذا من باب المثال فقط، وإلا فيه شيءٌ من النقد
والشأن لا يعترض المثال إذ قد كفى الفرض والاحتمال
الجفون قد يراد به جِفْنُ .. قد يراد به جَفْنُ العين، وقد يراد به جَفْنُ السيف، يعني: غِمْدُ السيف، يُقال: جِفْن وجَفْن في غِمْد السيف، وأما العين فيقال: الجَفْنُ بالفتح، قال: ولا نحن أغضينا الجفون، الجفون أراد به المعنى الثاني الذي هو غِمدُ السيف، لكن الإغضاء مناسب لأي شيء، يعني: يغمض عينيه، يناسب ماذا: جَفْنَ السيف، أو جَفْنَ العين؟ الثاني لا شك، هذا يسمى قرينة أو ما يلائم التورية، فإن الإغضاء مما يلائم جَفْنَ العين، الجفن هو غطاء العين من أعلاها وأسفلها، وكذلك غمد السيف، والجِفْنُ بالكسر هو غِمدُ السيف.
فإن الإغضاء مما يلائم جَفْنَ العين لا جَفْنَ السيف، وإن كان المراد به إغماد السيوف، لأن السيف إذا أغمد انطبق الجفن عليه، وإذا جُرِّد انفتح للخلاء الذي بين دفتيه.
إذًا قوله: أغضينا هذا يسمى ملائمًا للتورية، أين التورية .. أين وقعت؟ في الجفون، والجفون هذا جمع جفنٍ، وكذلك يُجمع على أجفان، وأما بعدها فكقول القائل:
كأن كانون أهدى من ملابسه لشهر تموز أنواعًا من الحلل
كانون وتموز الشهران.
أو الغزالة من طول المدى خَرِفَت فما تُفَرِّق بين الجدي والحمْل
والحمْل: بإسكان الميم.
أراد بالغزالة معناها البعيد وهو الشمس، وقرن بها ما يلائم المعنى القريب الذي ليس بمرادٍ وهو الرشح حيث ذكر الخِرْفة والجدي والحمل، والتورية المرشحة، إذًا علمنا أن المراد بالتورية المرشحة أن يُذكر في الكلام ما يلائمها، يعني: يأتي بلفظٍ يساندها موافقٌ لها، والتورية المرشحة نوعٌ من الاستعارة المرشحة التي سبق بيانها في الأصل.
والفرق بينهما أن مع الاستعارة قرينة تصرف اللفظ لها، وتجعل المعنى البعيد قريبًا، والتورية ليست كذلك، هي نوعٌ في الأصل، لكنها لعدم وجود اشتراط قرينٍة، سميت توريةً مرشحة.