والنوع الثاني من نوعي التورية هي المجردة، وجُرِّدَتْ أي: التورية، بِفَقْدِهِ يعني: بعدمه .. بعدم إيجاده وهو الملائم، فَكُنْ مُنيبْ: هذا تكملة، وهي التي لا تُجامع شيئًا مما يلائم المورَّى به، يعني: المعنى القريب، يعني: خلت عن أي لفظٍ يساند المعنى الذي جُعِل التورية له.
وقوله: فَكُنْ مُنيبْ: هذا كمَّل به البيت، أي: فكن منيبًا إلى الله تعالى، يعني: راجعًا، الإنابة هي التوبة مع العودة والاستقامة، ويحتمل: كن راجعًا بلفظ التورية من معناه القريب إلى المعنى البعيد، لنكتةٍ أو لقرينةٍ ونحو ذلك.
فَكُنْ مُنيبْ، مُنيبْ بالسكون؟ لغة ربيعة، منيب: الأصل في المشهور في لغة العرب: منيبًا، الوقف على التنوين المنصوب يكون بالألف:
وقف على المنصوب منه بالألف كمثل ما تكتبه لا يختلف
تقول عمروٌ قد أضاف زيدًا وخالدٌ صاد الغداة صيدًا
هذا اللغة المشهورة -لغة جمهور العرب-، وأما ربيعة فتقف على المنصوب منون كالمرفوع والمجرور، قام زيد .. مررت بزيد .. رأيت زيد، وجمهور العرب يوافقون في الرفع والخفض، قام زيد .. ومررت بزيد، السكون ويخالفون في: رأيت زيدا، هذه الألف بدلٌ عن التنوين، لغة ربيعة التسوية، فَكُنْ مُنيبْ حينئذٍ نقول: هذا على لغة ربيعة وقفوا عليه بالسكون.
وفي الكل يكون الإعراب مقدرًا، الإعراب هنا الذي يختلف، يعني: على لغة ربيعة فَكُنْ مُنيبْ .. رأيت زيد، زيد: مفعولٌ به منصوب ونصبه -على مذهب البصريين-، ونصبه فتحةٌ مقدرةٌ على آخره، منع من ظهورها سكون الوقف، وأما على اللغة المشهورة: رأيت زيدًا، زيدًا: مفعولٌ به منصوب، ونصبه فتحةٌ ظاهرةٌ على آخره، هذا الفرق بينهما من حيث النطق والإعراب.
إذًا: فَكُنْ مُنيبْ، وقف عليه بالسكون على لغة ربيعة.
وهنا قد يُقال: المصنف هنا ليس بصاحب لغة، ليس من ربيعة هو، فكيف نوجه مثل هذا؟ نقول: هذا الأولى الأصل في مثل هذا أنه من باب الضرورة، هذا الأصل: ضرورة، ونقول: ضرورة، لكن لئلا يُجعل الناظم قد ضاق عليه النظم؛ لأنه قصور، ح أن يأتي بكلمة أو ببيت يضطر إلى تسكين مرفوع أو مخفوض، وحينئذٍ نقول: هذا من باب اللغة، فنصرفه إلى اللغة مع كونه ليس بصاحب تلك اللغة، لماذا؟ ذبًا عنه عن عرضه يعني .. دفاعًا عنه، لئلا يتهم بالنقص، لأن هذا عجز، لو قلنا: هذه ضرورة معناه: عَجَز .. قَصُر نظمه أن يأتي باللفظ الصحيح في هذا المقام، هذا الأصل، وهذا كثير، ولذلك قد يسكن كتْبًا، أصلها: الكتُب هذه اللغة المشهورة، وحينئذٍ نقول: هذه لغة، ولا نقول: بأنه للوزن، وإن كان الظاهر أنه للوزن هذا هو الأصل.
على كلٍ فَكُنْ مُنيبْ، نقول: هذا على لغة ربيعة.
ثم قال:
جمعٌ وتفريقٌ وتقسيمٌ ومَعْ كليهما أوْ واحِدٍ جمعٌ يَقَعْ
ذكر في هذا البيت ستة ألقاب، جمعٌ: الجمع وهو أن يجمع بين متعددٍ في الحكم، أي: يجمع بين شيئين أو أشياء في حكمٍ واحد، كقوله تعالى: (( الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) ) [الكهف:46] المال هذا شيء، والبنون هذا شيءٌ آخر، حكم عليهما بحكمٍ واحد .. جمع بينهما وحكم عليهما بحكمٍ واحد: (( زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) ) [الكهف:46] جمع بين اثنين في حكمٍ واحد، أو أكثر: