وتفوض إلى عقل السامع رد كل واحدٍ إلى ما يليق به لا أنك تنص عليه، وإنما توكيلًا للسامع بأن يرد إلى كل ما يختص به ثقةً بفهمه بنصب قرينةٍ حاليةٍ تقتضي ذلك، أو قرينةٍ لفظية أو معنوية إذا جعلنا فرقًا بين الحالية والمعنوية، كأن يُقال مثلًا في اللفظية: رأيت شخصين ضاحكًا وعابسةً، حينئذٍ تعلم قولك: عابسةً بالتأنيث أن أحد الشخصين هو امرأة، وأن الآخر هو ذكر، لأنه قال ضاحكًا، إذ لو كانا رجلين لقال: ضاحكًا وعابسًا، ولو كانا أنثيين لقال ضاحكةً وعابسةً، وإنما قال: ضاحكًا، فدل على أن الضاحك ليس بعابس، والعابسة ليست ضاحكةً.
رأيت شخصين ضاحكةً وعابسةً، فتأنيث عابسة يدل على أن الشخص العابس امرأة وهذا واضح، والضاحك كذلك رجلٌ، وكأن يقال: لقيت الصاحب والعدو فأكرمت وأهنت، لقيت الصاحب والعدو: هنا لفٌ، ثم قال: فأكرمت وأهنت، معلومٌ أن الصاحب يُكرم والعدو يُهان، هذا هو الأصل، فالقرينة هنا معنوية، وهي أن المستحق للإكرام الصاحب وللإهانة العدو.
إذًا نقول هنا على جهة الإجمال: أن يُذكر متعدد، يعني: ما يدل على أفراد وآحاد إما بالتنصيص على كل واحدٍ منها، أو بذكر لفظٍ يشمل الكل، ثم بعد ذلك نُفصِّل لكل ما يستحق من ذلك المذكور، لكن بدون تعيين، يعني: لا يعين في اللفظ من المستحق للأول أو الثاني، ولذلك قال المرشدي هناك:"وبهذا القيد -وهو عدم التعيين- فارق التقسيم"يعني: أن ثَم فرقًا بين التقسيم الذي مر معنا، وبين اللف والنشر، التقسيم فيه ذكرٌ لمتعدد، ثُم قد يذكر معه، وقد يذكر بعده .. قبله .. بعده إلى آخره، لكن فيه شيءٌ من التعيين، وهنا مثله التقسيم: ذكر متعددٍ، ثم يذكر لكل واحدٍ ما يستحقه، إذًا: هو عين التقسيم، لكن في اللفظ والنشر ليس فيه تعيين، وأما في التقسيم ففيه تعيين.
إذًا: إما أن يكون متعدد أو ما يدل على المتعدد إما مجملًا وإما مُفصَّلًا، وقال في الحاشية:"وكأن وجه التسمية في الأول باللف أنه طوى فيه حكمه، لأنه اشتمل عليه من غير تصريحٍ به، ثم لما صرح به في الثاني فكأنه نشر ما كان مطويًا فسمي نشرًا"طوى حكمه أولًا ثم بعد ذلك نشر ما يتعلق به، أما مثال المجمل فكقوله تعالى: (( وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ) ) [البقرة:111] قالوا: الواو هنا تدل على متعددٍ ولكنه مجمل لأنه لم يسم، والمراد به اليهود والنصارى، أي: وقالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا -منهم-، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، فالضمير في قوله: قالوا لليهود والنصارى، فذكر الفريقين المُعَبَّر عنهما بضمير الجمع وقولهما على طريق الإجمال دون التفصيل، لعدم الإلباس والثقة بأن السامع يرد إلى كل فريقٍ مقوله، ثم ذكر ما لكلٍ منهما، لأنه قال: (( لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ) ) [البقرة:111] هودًا والقائل به اليهود، أو: للتنويع والتقسيم، نصارى والقائل به هم النصارى.