فهرس الكتاب

الصفحة 708 من 828

وإنما سوغ الإجمال هنا -الجمع بين اليهود والنصارى في ضميرٍ يعم الكل-، إنما سوغ الإجمال في اللف ثبوت العناد بين اليهود والنصارى، لأن كلًا منهما يدعي أن مقابله ليس على هدى: (( وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ ) ) [البقرة:113] كلٌ منهما يعتقد أن مقابله على باطل، حينئذٍ ثَم بينهما عنادٌ .. عنادٌ في الدين، وإذا كان كذلك حينئذٍ لا يمكن أن يتفقا.

وإنما سوغ الإجمال في اللف ثبوت العناد بين اليهود والنصارى، فلا يمكن أن يقول أحد الفريقين بدخول الفريق الآخر الجنة، يعني: لا يعتقد اليهودي بأن النصراني يدخل الجنة هذا قطعًا لأنه منابذٌ لدينه، ويرون أنهم ليسوا على شيء، ولا يعتقد النصراني بأن ثَم من اليهود من يدخل الجنة، إذًا: بينهما معاندة من حيث المعتقد، ومن حيث ما يترتب على ذلك.

فوُثِق بالعقل في أنه يرد كل قولٍ إلى فريقه لأمن اللبس، إذًا: عندنا هنا لفٌ ونشر، وهذا النوع الذي هو المجمل لا يتصور فيه ترتيبٌ وعدمه، يعني: ليس عندنا هنا لف ونشر مرتب، وليس عندنا لف ونشر غير مرتب ولا مشوش، وإنما هذا يكون في المفَصَّل، وأما ما ذكر فيه اللف على جهة الإجمال فلا يتصور، لأنه كيف يتصور؟ قالوا: الضمير يعم النوعين، وأطلق الضمير هنا مرادًا به اليهود والنصارى، إذًا لم يذكر أولًا اليهود ثم النصارى، أو النصارى أولًا ثم اليهود.

ولذلك المشهور عند البيانيين: أنه لا يتعلق به ترتيب ولا عدمه.

وأما التفصيلي يعني: بالنص على كل واحدٍ في اللف وكذلك في النشر، هذا ثلاثة أنواع عند البيانيين:

أحدها: أن يكون النشر على ترتيب اللف .. أن يذكر متعددًا بالنص في اللف، ثم يذكر في النشر .. في البسط وبيان الحكم للأول .. الأول من النشر يتعلق بالأول من اللف، والثاني بالثاني، والثالث بالثالث، هذا يسمى: لفًا ونشرًا مرتبًا. أن يكون النشر على ترتيب اللف بأن يجعل الأول للأول والثاني للثاني وهكذا، وهذا عند البيانيين أحسن الأنواع، من حيث الإجمال ومن حيث التفصيل، أعلاها في اللف والنشر هو هذا النوع.

ولذلك قالوا: وهو أحسنها، كقولها تعالى: (( وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ) ) [القصص:73] (( جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ) ) [القصص:73] إذًا: ذكر متعددين، ولم يذكر حكم الليل، وإنما باشره بالعطف بالنهار، ثم بعد ذلك ذكر في الجملة التي تلي هذين المذكورين ما يتعلق بحكم الأول، وما يتعلق بحكم الثاني: ومن رحمته جعل لكم الليل لتسكنوا فيه، إذًا الأول من الثاني يعود إلى الأول من الأول، والنهار قال: ولتبتغوا من فضله، يعني: في النهار، حينئذٍ ذكر اثنين، ثم ذكر حكمين الحكم الأول مرتبٌ على الأول في اللف، والثاني على الثاني، هذا يسمى: لفًا ونشرًا مرتبًا، وهذا أعلى الدرجات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت