فهرس الكتاب

الصفحة 719 من 828

وهذان النوعان -التبليغ والإغراق-: مقبولان مطلقًا من غير شرطٍ، لماذا؟ لأنها تجانس الصدق .. مقابلة للصدق، يعني: لا تخالف الصدق الذي هو حلية المؤمن.

النوع الثالث: الغلو، وهو ما لا يكون ممكنًا عقلًا ولا عادةً، والغلو في اللغة: مجاوزة الحد في الأمر، ومناسبته للمعنى الاصطلاحي ظاهرة بينة كسابقه، مثاله قول الشاعر:

وأخفت أهل الشِرْك حتى إنه لتخافك النُطَف التي لم تخلق

كذب هذا، يعني: بلغ من إخافته لأهل الشرك حتى النطف التي لم تُخلق تخافه، هذا كذبٌ .. هذا غلوٌ وغير مقبول، ادعى أنه يخاف من الممدوح النطف التي لم تخلق، وهذا ممتنعٌ عقلًا وعادةً، بل هو كذبٌ صريح محض، ومنه قول الشاعر:

كفى بجسمي نحولًا أنني رجلٌ لولا مخاطبتي إياك لم ترني

هذا كذلك كذب، لأنه يقول: بلغ بي النحول أنني لو أنك لم تسمع صوتي واتجهت إلي لم ترني، كأنك تمر بجواري ولا تراني، لكن لما كلمتك رأيتني، وهذا النوع منه مقبولٌ ومردود، والمردود كالأمثلة السابقة لأنها كذبٌ محضٌ، فالمقبول منه أصناف:

منها: ما أدخل فيه ما يقربه إلى الصحة، يعني: في ظاهر الكلام يحتمل أنه مردود، ففيه شيءٌ من الغلو، لكن يدخل فيه بعض الألفاظ التي تقربه من الصحة، والمراد بالصحة هنا: الوقوع، بأن يكون واقعًا، قالوا: والأولى أن يُعََّر بما يخرجه عن الامتناع، لأنه ثَمّض أمثلة في القرآن على ذلك، وليس من الأدب مع القرآن أن يُقال: ما يُقرب إلى الصحة: (( يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ) ) [النور:35] لولا كاد قالوا: بأن العقل يرده، لكن لما أُدخل لفظ كاد قرب إلى الصحة، نقول: لا، لا نقول: قرب إلى الصحة، نقول: يخرجه عن الامتناع، هذا من باب الأدب فحسب.

نحو لفظةٍ: يكاد، في قوله تعالى: (( يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ) ) [النور:35] فيكاد قرَّب ذلك من الصحة، أي: إمكان الوقوع، فلو قيل: هذا الزيت يضيء بلا نار لرد يعني: في العادة، أنه ممتنع، والعقل على ما بني من العادات يمنع ذلك، أن يشتعل هو في قدرة الله عز وجل، لكن المحال هنا إلى ما تعارفه الناس من السبب والمسبب، حينئذٍ كون الزيت يشتغل بلا نارٍ، نقول: هذا فيه بعدٌ، وحيث قيل: يكاد، يعني: لما أدخل لفظ: يكاد، أفاد أن المحال لم يقع، بل قرب من الوقوع: يكاد، ليس بعيدًا، وإنما هو قرب من الوقوع.

أفاد أن المحال لم يقع بل قرب من الوقوع مبالغةً، ومعنى قربه من الوقوع: توهم وجود أسباب الوقوع، وقرب المحال من الوقوع قربٌ من الصحة، وإذا قرب من الصحة حينئذٍ جاز وصار من المقبول، إذ قد تكثر أسباب الوهم المتخيل بها وقوعه ولو كان لا يقع، ومنها ما تضمن نوعًا حسنًا من التخييل، يعني: أن يكون هذا النوع غير ممكن عقلًا ولا عادةً، لكنه سار معه الخيال، فصار فيه حسنٌ من جهة التخييل، وإلا اللفظ فيه شيءٌ من النكارة.

ما تضمن نوعًا حسنًا من التخييل فإنه يقبل، كقول الشاعر:

عقدت سَنَابِكها عليها عثيرًا لو تبتغي عنقًا عليه لأمكن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت