فهرس الكتاب

الصفحة 724 من 828

أيْ: من ألقاب الضَّرْب المعنوي ما يُسمَّى بـ: حُسن التَّعلِيل، يعني: الحسن في التعليل، لأنْ يُذَكَر حكم، ويأتي بِعلَّةٍ لذلك الحكم كما سيأتي، أي: بيان عِلَّة الشيء، وذلك بأن تقصد إلى حكم فتراه مستبعدًا لكونه غريبًا أو عجيبًا أو لطيفًا أو نحو ذلك، يعني: الحكم من حيث هو فيه استبعاد لأيِّ أمرٍ كان، ولا شَكَّ أنَّ العقول إذا وُجِدَت عِلَّة الحكم حِينئذٍ اسْتَرْوَحت لحكم، فيأتي ويذهب ويجول بذهنه، فَيَستَنْبِط عِلَّةً لهذا الحكم من أجل تقريبه إلى الأذهان، وإلا الأصل في الحكم أن يكون مستبعدًا لِمَا ذُكِرَ.

فتأتي على سبيل التَّظَرُّف بِصِفةٍ مناسبة للتَّعلِيل فَتَدَّعِي كونها عِلَّةً للحكم لِتوْهِم تحقيقه، فَإنَّ إثبات الحكم بذكر عِلَّتِه أرْوَح في العقل من إثباته مُجرَّدًا عنها، يعني: إذا ذكر الحكم دون عِلَّتِه حِينئذٍ العقل قد يستبعده، وقد يكون الحكم في نفسه مُسْتَبعَدًا، فإذا كان مُجرَّدًا عن العِلَّة تَحقَّق الاستبعاد، حِينئذٍ من تحسين الكلام أن يذهب ويأتي .. يعني: يجول بذهنه فيأتي بِعِلَّةٍ يظهرها من أجل قبول هذا الحكم، هذا يُسمَّى: حُسنَ التَّعلِيل.

وعَرَّفَه في (الإيضاح) بقوله:"أن يُدَّعَى لِوصْفٍ عِلَّةٌ" (يُدَّعَى لِوصْفٍ) قلنا: حكم .. الحكم هو وصف، الأحكام أوصاف في المعاني .. أنْ يُدَّعَى لِوصْفٍ عِلَّةُ مُناسبةٌ له باعتبارٍ لطيف غير حقيقي، (لطيف) يعني: لِدِقَّة النَّظَر، فحِينئذٍ يَحتاج إلى لُطفٍ ودِقَّة، و (غير حقيقي) يعني: خيالي .. ليس هو في الواقع، فَيَدَّعِي المُعَلِّل للوصف، أيْ: لأيِّ وَصْفٍ كان .. يَدَّعِي عِلَّةً غير واقعية، وإلا لم تكن من مُحسِّنَات الكلام لِعَدم تَصرُّفٍ فيه.

يعني: لو ذكر عِلَّةً موجودةً معروفة عادةً، أو يَدلُّ عليها العقل، حِينئذٍ ذَكَرَ الشَّيء بِما هو معلوم، وليس فيه شيءٌ من التَّحسيِن، كما لو قال: قَتَلَ فلانٌ أَعَادِيَه لدفع ضررهم .. قتل لدفع ضررهم، ليس فيه شيءٌ من التَّحسِيِن، لماذا؟ لأنَّ هذه العِلَّة معروفة في العهد، لكن يريد لِحكمٍ أنَّه مُستَبعدٌ في الأصل وعلته ليست مذكورة، فيذكر العِلَّة من أجل تقريبه إلى الأذهان، وإلا لم تكن من مُحسِّنَات الكلام لِعَدم تَصرُّفٍ فيه.

أنْ يُدَّعَى لِوصْفٍ عِلَّةٌ مُناسبةٌ له - يعني: لذلك الوصف - أيْ: تُناسِب تلك العِلَّة ذَلكَ الوَصف، وهذا مُقرَّرٌ كما هو الشَّأنُ في كتب الأصول: بِأنَّ الحكم لا بُدَّ أن يكون مع علته متقاربين في جنس المعنى، بِمعنى: أنْ يكون ثَمَّ تناسب بين الحكم والعِلَّة، إذْ الحكم إنَّما جُلِبَ من أجل العِلَّة، والعِلَّة هي الجالبة للحكم، ولا يكونا كذلك إلا إذا كان بينهما تناسب، وأمَّا إذا لم يكن بينهما مناسبة، بل مُنافَرَة، حِينئذٍ لا يُمكن أنْ يُقرَن الحكم بِعِلَّتِه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت