فهرس الكتاب

الصفحة 729 من 828

(وَقَدْ أتَوْا) بِحُججٍ (فِي المَذْهَبِ الْكَلاَمِي) على طريقة أهل الكلام، أيْ من (الضَّرْبِ المَعْنَوِيْ) : (المَذْهَبِ الْكَلاَمِي) هكذا عنوانه: (المَذْهَبِ الْكَلاَمِي) أي: الجاري على أسلوب المُتَكلِّمِين في الاستدلال بِما يقتضي القطع والإفحام .. المُتَكلِّمُون يبنون كلامهم على القطع فيما يَدَّعُونَه، والإفحام يعني: للخصم، فإنَّ من أسلوبهم: عدم القناعة بالدَّعْوَى، والاهتمام بِإقَامة الدَّلِيل.

بِخلاف أرباب المحاورات، فَإنَّ من شأنهم الإخبار الصِّرْفْ، والتَّأكِيد في مقام التَّرَدُّدِ والإنكار، يعني: أصحاب المحاورات .. الكلام الذي لا ينبني على أسلوب أهل الكلام، مرادهم بكلامهم ومحاوراتهم هو الإخبار الصِّرْف، يعني: أن يلقي الخبر، ثُمَّ إن كان ثَمَّ تَرَدُّد أكَّدَه بِمُؤكِّدٍ واحد، وإن كان مُنكرًا أكَّدَه بِعدَّة مُؤكِّدَات، على ما سبق معنا في علم المعاني.

قيل: وَأوَّل من أخترعه وسَمَّاه بذلك: الجاحظ، وسَمَّاهُ ابن النَّقِيب: الاحتجاج النظري، إذًا: هناك ما يُسمَّى عند البديعيين بـ: (المَذْهَبِ الْكَلاَمِي) .

وعَرَّفَه في (الإيضاح) بقوله:"هو أن يُورِد المُتَكلِّم حُجةً لِمَا يَدَّعِيه على طريق أهل الكلام" (حُجةً) يعني: دليلًا، الحُجَّة عنده المُرَاد بِها: الدليل القطعي، والدليل عند بعضهم يفصل بين ما يكون مدلوله الظَّنِّي أو القطع - كما مَرَّ معنا -.

"لِمَا يَدَّعِيه على طريق أهل الكلام"والحجة هي الدليل، و (لِمَا يَدَّعِيه) الذي هو المطلوب، (على طريق أهل الكلام) بأن يكون بعد تسليم مُقدِّمَاته مُستلزِمًا للمطلوب، يعني: القياس:

إِنَّ القِياسَ مِنْ قَضايا صُوِّرا ... مُسْتَلْزِمًا بِالذَّاتِ قَوْلًا آخَرا

بأن يكون بعد تسليم مُقدِّمَاته، لا يكون حُجةً إلا إذا كانت المُقدِّمَات قَطعيَّة، المُقدِّمَة الصُّغْرَى والكبرى، مُستلزمًا لذاته لا بِمقدِّمة أخرى مَطويَّة للمطلوب، وله أمثلة .. قالوا: يرد فيه في القرآن كذلك - وهذا مَرَّ معنا في شرح السُّلَّم ـ مثاله قوله تعالى: (( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ) ) [الأنبياء:22] (إِلَّا) هنا بِمعنى: غير، (لَفَسَدَتَا) أي: السماوات والأرض، أي: لخرجتا عن نظامهما المشاهد، لَكنَّهما لم تفسدا .. لو كان فيهما آلهةٌ إلا اللَّه لفسدتا لكنهما لم تفسدا، إذًا: فليس فيهما آلهةٌ غير الله عز وجل، هذا تلازم.

فاللازم وهو فساد السماوات والأرض باطل، وهذا دليله .. ما دليله .. هذه مُقدِّمَة؟ الحس والمشاهدة، فكذا المَلزُوم وهو تَعدُّد الآلهة، فَاللاَّزِم مُنتفٍ وكذلك الملزوم مثله، وهذا مِمَّا جَرَىَ على طريقته في القياس الاستثنائي، إذًا: هنا ذكر شيئًا واستلزم شيئًا آخر، بأن يكون بعد تسليم مُقدِّمَاته مستلزمًا للمطلوب: لو كان فيهما آلهةٌ إلا الله لفسدتا لكنهما لم تفسدا، فليس فيهما آلهة غير الله، وهذا قياسٌ قطعي واضحٌ بَيِّن، فاللازم منتفٍ وهو فساد السماوات والأرض، وكذلك ملزُومه وهو تَعدُّد الآلهة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت