فهرس الكتاب

الصفحة 730 من 828

ومثاله على طريقتهم في القياس الاقتراني قوله تعالى: (( وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ) ) [الروم:27] (وَهُوَ) يعني: الإعادة، أي: والإعادة أهون عليه من البدء، والأهون من البدء أدخل في الإمكان، يعني: هو أكثر إمكانًا في الوقوع؛ لأنَّه أهون، وإذا كان البدء لو كان في تَصَوُّر الذِّهْن في شيءٌ من المَشقَّة، والإعادة أهون، إذًا: صار أدخل في الإمكان.

والأهون من البدء أدخل في الإمكان من البدء، فالإعادة أدخل في الإمكان من البدء وهو المطلوب.

إذًا: هذا في القياس الاقتراني، والفرق بين النوعين يُعرَف في مَظآنِّه.

إذًا: هذا ما يُسمَّى بـ: (المَذْهَبِ الْكَلاَمِي) .

وَقَدْ أتَوْا فِي المَذْهَبِ الْكَلاَمِي ... بِحُجَجٍ كَمَهْيَعِ الْكَلاَمِ

وهذا بأن يكون على طريقة أهل الكلام، بأن يُلاحظ فيه التَّلازُم بعد تسليم مُقدِّمَاته .. بعد تسليم مُقدِّمَاته يكون مُستَلزِمًا للمطلوب، المطلوب المراد به: النتيجة .. نتيجة القياس.

فإن قيل: هذا النوع ليس من البديع؛ لأنَّه ليس في هذا المذكور تحسين لمعنى الكلام المقصود، بل المعنى المقصود هو منطوق اللفظ .. أين التَّحسِين؟ المُقدِّمَة ثُم المُقدِّمَة ثُم النتيجة، فاللفظ والمنطوق هو المطلوب، وهذا إنَّمَا يُنْظَر فيه في علم المعاني والبيان، بل المعنى المقصود هو منطوق اللفظِ، فالإتيان بِهذا الدَّليل هو المقصود، فهو تَطبيقٌ على مُقْتضَى الحال، فيكون من المعاني لا من البديع.

أجيب: بأنَّ إخراج الكلام في المُحَاوَرة مُخْرَجًا لا يُتَوَقَّع، وإبرازه له في صورة المقاصد العلمية فيه زائدٌ على أصل تَأدِيَة المُراد، فلا بعد في أن يكون مُوجِبًا للتَّحسين من هذه الحيْثِيَّة، لأنَّه إذا قيل: بأنَّ المُراد به طريقة أهل الكلام في القياسين السابقين؛ حِينئذٍ أين التَّحسيِن .. ما وَجهُهُ؟ نقول: إبرازه في صورة لا يُتَوقَّع السَّامِع أن يأتي الدليل بهذه الصورة وهذا الاستلزام، هذا شيءٌ من التحسين:

وَقَدْ أتَوْا فِي المَذْهَبِ الْكَلاَمِي ... بِحُجَجٍ كَمَهْيَعِ الْكَلاَمِ

يعني: أنَّهم أتوا في ضمن ذلك النوع المُسمَّى بـ: (المَذْهَبِ الْكَلاَمِي) بِحُججٍِ تُؤدِّي إلى المطلوب، وهنا الحجج جمع، وأقَلُّه اثنان لأنَّ أقَلَّ القياس .. بل لا بُدَّ للقياس من مُقدِّمَتيْن، فقد يكون من ثلاث أو أكثر.

ثُم قال:

وَأكَّدُوا مَدْحًَا بِشِبْهِ الذَّمِّ ... كَالعَكْسِ والإدْمَاجُ مِنْ ذَا العِلْمِ

ذكر في هذا البيت ثلاثة أنواع من الألقاب.

أيْ من (المَعْنَوِيْ) : تأكيد المدح بِما يُشبِه الذَّمَ، (وَأكَّدُوا مَدْحًَا) من هم؟ يعني: البيانيون، دائمًا الواو إذا أطلقت هنا صُرِفَ إلى أصحاب الفَنِّ، (وَأكَّدُوا مَدْحًَا) أي: للمدح، (بِشِبْهِ الذَّمِّ) يعني: بِمدحٍ شِبةٍ، (شِبْهِ) هذا صفة لموصوف محذوف تقديره: مدحٍ، أي: بِمدحٍ شِبْهٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت