(شِبْهِ الذَّمِّ) يعني: يُشبِه الذَّمَّ، فإذا قُدِّرَ (يُشْبِه الذَّمَّ) صار من إضافة المصدر إلى مفعوله، (بِشِبْهِ الذَّمِّ) أي: بِمدحٍ شِبةٍ الذَّمِّ، (شِبْهِ) يعني: ذلك المدح المُؤكِّد، وهو من إضافة المصدر إلى مفعوله .. (الذَّمِّ) هذا نوعٌ من أنواع ألقاب (المَعْنَوِيْ) .
وذلك بأن تبالغ في المدح إلى أن تأتي بِعبارةٍ يَتَوهَّمُ السَّامُع في بَادِئ الرَّأي أنَّه ذَمٌّ، تَمدح ثُم تَمدح ثُم تمدح، حتى لم يبق عندك عبارة إلا أنَّها في ظاهرها أنَّها ذَمٌّ وهي في حقيقتها مدحٌ.
أن تُبالغ في المدح إلى أنْ تأتي بِعبارةٍ يَتَوهَّمُ السَّامُع في بَادِئ الرَّأي أنَّه ذَمٌّ، وهو بأن تُثبِت للممدوح وصْفًا يُمدحُ به، أو تنفي عنه وصْفًا مُعيَّنًا، لأنَّ المدح قد يكون بالإثبات، وقد يكون بالنفي .. هذا أو ذاك، ثُمَّ تَعْقُبُه بالاستثناء، فتُوْهِم في الأوَّل أنَّكَ تثبت ما يُذَمُّ به، يعني: تذكر وصْفًا تَمدح به الممدوح، ثُمَّ تقول: إلا أنَّه .. يَظنُّ الظَّآن هنا أنَّكَ ستذكر وصفًا تَذمُّ به ذلك الشخص: هو عالمٌ جليلٌ إلا أنَّه .. لعَلَّكَ تَتَوهَّم عند السَّمَاع أنَّكَ تريد أن تذكر وصفًا يُذمُّ به على ما سبق، فتُوهِم في الأول أنَّكَ تثبت ما يُذمُّ به، وكذا في الثاني، ويكون الأمر فيهما بالعكس، يعني: تريد المدح لا الذَّمْ، وفيه المبالغة في المدح.
ويُسمَّى هذا النوع بـ: الاستثناء، ويُسمَّى بـ: الرُّجُوع أيضًا، وهو من مُخْترَعَات ابن المُعْتَز، وهو نوعان .. يعني: تأكيد المدح بِما يُشبِه الذَّم على نوعين - وهما نوعان جميلان ـ:
الأول وهو أفضلهما، يعني: الأبلغ منهما: أن يستثنى من صفة ذَمٍّ مَنفيَّةٍ عن شيء صفة مدحٍ، يعني: تذكر أولًا صفة ذَمٍّ مَنفيَّة، يعني: في حَيِّزْ النَّفي، عن شيء .. عن شخصٍ ما، (صفة مدح) اسْتثنِ صِفَة المدح، بتقدير دخولها فيها، يعني: في الصِّفَة المَنفيَّة، تُقدِّر في الفرض .. في العقل: أنَّ هذه الصِّفَة دَاخلةٌ في الصفة المَنفيَّة، أي: بطريق الفرض والتقدير على ما هو مقتضى حقيقة الاستثناء على المشهور، مثاله قول الشاعر:
وَلا عَيبَ فِيهِم غَيرَ أَنَّ سُيوفَهُم ... بِهِنَّ فُلولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
(وَلا عَيبَ) .. (عَيبَ) صفة ذَمٍّ .. هي مَنفيَّة في حَيِّزِ (لا) .. (لا عَيبَ) .
(وَلا عَيبَ فِيهِم) فالعيب صفة ذَمٍّ مَنفيَّة، قد استثنى منها صفة مدحٍ بقوله: (غَيرَ) .. (غَيرَ) هذه أداة استثناء، قد اسْتثنَى منها صفة مدحٍ: وهو أنَّ سيوفهم ذَواتُ فلولٍ (مِن قِراعِ الكَتائِبِ) ، (فُلولٌ) جمع: فَلٍّ، بفتح الفاء وشَدِّ اللام، وهو الكسر في حَدِّ السَّيْف.
وقوله: (مِن قِراعِ الكَتائِبِ) يعني: المضاربة في المعارك .. مضاربة جيوش.