فهرس الكتاب

الصفحة 732 من 828

(غَيرَ أَنَّ سُيوفَهُم بِهِنَّ فُلولٌ) يعني: كَسْرٍ في حَدِّ السيف بسبب المقارعة ومضاربة الجيوش في المعارك، مضاربة الجيوش في المعارك هذه صفة مدحٍ تَدلُّ على الشجاعة، وهل هي داخلةٌ في العيب حتى تُستَثنَى؟ نقول: قَدَّرَ دخولها، ولذلك نقول: على سبيل الفرض والتقدير، يعني: يَتَخيَّل أنَّ هذه الصفة دَاخلةٌ في العيب ثُمَّ يستثنيها، فيبقى الاستثناء على حقيقته وهو الاتِّصَال.

أيْ: إن كان فلول السيف من قراع الكتائب عَيبًا على سبيل الفرض والتقدير، فلا عيب فيهم غيره، (وَلا عَيبَ فِيهِم) ليس فيهم عَيبٌ مُطلقًا، إلا أنَّ عندهم صفة إن قَدَّرْتَ أنَّها عيب فهي العيب، وهي:

.. . . . . . . . أَنَّ سُيوفَهُم ... بِهِنَّ فُلولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ

وهي ليست بعيب، إذًا: فَرَضَ المُحَال مُحَال، لأنَّ كون سيوفهم بِهنَّ فلولٌ من قِرَاع الكتائب، هذا لا يُمكن أن يكون عَيبًا، وهو مُطلقٌ عليه: أنَّه من المدح، فأثبت شيئًا من العيب على تقدير كونه منه .. ما هو؟ وكون الفُلُول من قِرَاعِ الكتائب عيبًا مُحَالًا، لأنَّه كناية عن كمال الشجاعة، فهو في المعنى تعليق المُحَال بالمُحَال، كما يُقَال: حَتَّى يَبْيَضَّ القَارْ - يعني: الزِّفْت .. ما يَبْيَض هذا - كقوله: (( حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ) ) [الأعراف:40] ولن يلج.

كذلك:

.. . . . . . غَيرَ أَنَّ سُيوفَهُم ... بِهِنَّ فُلولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ

مُحالٌ أن يكون عَيبًا، إذًا: لا عيب فيهم مُطلقًا، وقَدَّرَ هذه الصِّفَة أنَّها داخلةٌ فيما سبق.

وكان هذا النوع الأفضل والأبلغ لإفادته التأكيد من وجهين:

أحدهما: أنَّه كَدعْوَى الشيء بِبَيِّنَةٍ، يعني: ادَّعَى الشيء مع ذِكْر البَيِّنَة، حيث عَلَّقَ نقيض الدَّعْوَى، وهو إثبات شيءٍ من العيب مُحالٌ، والمُعلَّق بالمُحَال مُحال فيَتَحقَّق عدم العيب، (وَلا عَيبَ فِيهِم) مُطلقًا، إن كان ثَمَّ عيب فَثَمَّ صِفةٌ، إن قَدَّرْت أنَّها عيب فهي عيبهم، وإلا لا عيب فيهم إلا ما ذُكِر، وما ذُكِر لا يكون عَيبًا البَتَّة.

ثانيهما: أنَّ الأصل في الاستثناء: الاتِّصَال .. أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه فهو داخلٌ فيه، فذكر أداة الاستثناء قبل المستثنى - يعني: ما بعده - يُوجِب إخراج شيءٍ، يعني: مستثنى مِمَّا قبلها، وهو المستثنى منه، لا بُدَّ من الإخراج، فإذا وليها صِفةُ مدحٍ وتَحوَّلَ من الاتِّصَال إلى الانقطاع جاء التَّأكِيد بالمدح على المدح، والإشعار بِأنَّه لم يَجد صفة ذَمٍّ يستثنيها فاضطر إلى استثناء صفة مدحٍ.

يعني: عندما يقول: (وَلا عَيبَ فِيهِم) ليس فيهم عيب، (غَيرَ) فالأصل أنَّ الاستثناء مُتَّصِل، يعني: سيذكر صِفةً هي عَيبٌ فيهم، لَكنَّه بَحثَ فلم يَجد صفة عيب، فحِينئذٍ ذكر صِفةً هي صفة مدحٍ، لَكنَّه إذا قَدَّرَ دخولها على جهة الإحالة فيما سبق، حِينئذٍ الاستثناء لا بُدَّ من الإخراج، فلم يَجد ما يخرجه إلا هذه الصِّفَة، فَظنَّ السَّامِع لَمَّا سمع أداة الاستثناء أنَّه سيذكر صِفة ذَمٍّ، حِينئذٍ كأنَّه يقول لك: قلت هذه الأداة، وبَحَثتُ عن معنى يدخل في العيب فلم أجده، إلا هذه الصِّفَة وهي صفة مدحٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت