فهرس الكتاب

الصفحة 733 من 828

لم يَجد صِفة ذَمٍّ يستثنيها، فَاضْطُرَّ إلى استثناء صفة مدحٍ، لأنَّه ذكر الأداة، بخلاف النوع الثاني فإنَّه إنَّما يفيد التأكيد من هذا الوجه فقط.

النَّوع الثاني من تأكيد المدح بِما يُشبِه الذَّم .. الأول: أن ينفي صفة هي صفة عيب، ثُمَّ يأتي بالاستثناء.

هنا أن يثبت لشيءٍ صفة مدح - إثبات .. خلاف الأول - ويُعقِّبَ بأداة استثناء يليها صفة مدحٍ أخرى له، يعني: بحيث لا ينفي المدح الأول بالوصف الثاني، يعني: لا ينفي الأول بالثاني، كما هو السابق، وإنَّما يذكر صفة مدحٍ، ثُمَّ يأتي بأداة الاستثناء، ثُمَّ يأتي بصفة مدحٍ، ليس عندنا نَفيٌ كما في النوع الأول، مثاله قوله صلى الله عليه وسلم: {أَنَا أفْصَحُ العَرَبِ بَيْدَ} - هذا استثناء - ثُمَّ جاء بصفة مدحٍ أخرى: {أَنِّي من قُرَيْشٍ} هنا ذكر صفة مدحٍ أولًا وليست مَنفيَّة، ثُمَّ أتى بأداة الاستثناء (بَيْدَ) بمعنى: غير، {أَنِّي من قُرَيْشٍ} أي: غير أنِّي.

فأصل الاستثناء في هذا الضرب أن يكون منقطعًا فأُبقِي على ذلك، ولم يُقدَّر مُتَّصلًا كما قُدِّرَ في الضَّرب الأول .. النوع السابق، حيث لم يكن فيه صفة ذَمِّ صِفةً عَامَّة يمكن دخول صفة الممدوح فيها كالسابق، وإذا لم يُقدَّر الاستثناء فيه مُتَّصِلًا فلا يفيد التأكيد إلا من الوجه الثاني من الوجهين المذكورين في الضرب الأول، يعني: على تقدير أنَّه دَاخلٌ فيما سبق .. في أن يكون الاستثناء مُتَّصلًا، وهو حمل الاستثناء على الاتِّصَال الموجب لإخراج شيءٍ مِمَّا قبله، يعني: {أَنَا أفْصَحُ العَرَبِ بَيْدَ} هذا الأصل أنَّه استثنى شيء يَخرج مِمَّا سبق، لكنه ذكر صفة مدحٍ أخرى، أين الإخراج؟

الأصل في الاستثناء أن يكون مُتِّصلًا، فإذا لم تكن الصفة المذكورة المدح مخرجة مما سبق، حِينئذٍ تَعيَّن أن يكون الاستثناء هنا منقطعًا لا مُتَّصِلًا، كأنَّه قال: أنا أفصح العرب وأنا من قريش، ليس عندنا إخراج مستثنى من مستثنىً منه، كما هو السابق في النوع الأول.

إذًا: {أَنَا أفْصَحُ العَرَبِ بَيْدَ أَنِّي من قُرَيْشٍ} (بَيْدَ) هذا استثناء، هل عندنا إخراج؟ الجواب: لا، الأصل في الاستثناء الاتِّصَال، إذًا: لا يُمكن حمل اللفظ هنا على الاتصال، وإنَّما نَحمله على الانقطاع.

وهو حمل الاستثناء على الاتصال المُوجِب لإخراج شيءٍ مِمَّا قبله، فإذا ذكر بعده صفة مدحٍ أخرى جاء التأكيد، ولا يتأتى فيه التأكيد من الوجه الأول، يعني: دعوى الشيء ببينةٍ، لأنه مبني على التَّعلِيق بالمُحَال على اتِّصَاله باستثناء، وهنا ليس عندنا اتِّصَال استثناء.

ومن هذا الضَّرْب الثاني قول النَّابِغة:

فَتَىً كَمُلَتْ أَخْلاقُهُ غيْرَ أَنَّهُ ..

هذا استثناء، (فَتَىً كَمُلَتْ أَخْلاقُهُ) إذًا: كاملٌ في أخلاقه، (غَيْرَ أَنَّهُ) يتبادر إلى ذهنه استثناء:

جَوَادٌ فَمَا يُبْقِي مِنَ المَالِ بَاقِيَا ..

وهنا الاستثناء لا يمكن أن يُحمَل على الاتِّصَال؛ لأنَّه لم يُخرج شيء، لأنَّ الجواد كونه جوادًا، هذا داخلٌ فيما سبق .. (كَمُلَتْ أَخْلاقُهُ) ، ومن الأخلاق كونه جوادًا، إذًا: الاستثناء هنا يكون على جهة الانقطاع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت